منه - كما هو الأغلب - أو ارتكاب أعمال تنافي حصولها - كما هو الغالب أيضاً - فلا محالة يعذّب تعذيباً يناسبه بحسب حرمانه عن بلوغ مرتبة إمكانه ، أو تدركه عناية خاصّة تخفّف عنه وطأة هذا العذاب .
وأمّا الواصل إلى ما أمكن له وهُيِّأ في استعداده من السعادة فهو الناجي والمنعّم ، وإن كانت سعادته أدنى وأدون من كثيرٍ من السعداء وأسفل مرتبة منهم ، فإنّ ذلك لا يكون موجباً لحسرته وعذابه ؛ إذ هو لا يدرك كنه سعادة من هو أعلى منه ، وحيث لا إدراك فلا ذوق ، وحيث لا ذوق فلا شوق ، وحيث لا شوق فلا عذاب ولا حسرة .
وإن هو إلّاكفاقد حاسّة الشمّ المدفوع عن التمتّع بنعمة كبرى من نعم الوجود ، وهي التلذّذ بشمّ أريج الأزهار ونفحات الورود وما يوازيها أو يفوقها من سائر الروائح العطرة والنوافح المسكيّة .
ولكن ذاك الذي ما أحسّ بها ولا أدركها مدّة عمره لا يجد شيئاً من العذاب بفقدانها ، ولا يرى النعيم إلّاالتمتّع بما عداها من الحواسّ .
نعم ، وكلّ ما ذكرناه من مراتب السعادات وأضدادها إنّما هو بقدرٍ وجب باعتبارٍ وأمكن باعتبارٍ آخر ، فلا ينافي كونه بالاختيار .
ثمّ لا يذهبنّ عنك أنّ السعادتين ( الدنيوية والأُخروية ) متلازمتان أشدّ
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 462
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٤٦٢