وبأوجز لفظ : أن يصير الإنسان خيراً لا شرّ فيه ووجوداً لا عدم معه .
وليس هذه الحياة والنشأة من خصائص دار الحيوان كما قد يقال ، بل هو من الممكن الجائز حتّى في دار الموات .
وذلك فيما لو تحقّق التخلّق لأحد بأخلاق الروحانيّين ومات حيّاً بالاختيار ، واختار أن يحيى ميّتاً بالطبيعة .
ودون ذلك عقبات ومراتب حظّ الإنسان منها حظّه من الاعتدال والاستقامة .
ولعلّك وقفت على ما قدّمناه في أوّل هذا الفصل من تقاسيم العدالة ومراتبها .
ولا ريب أنّ تطبيق العمل والأخلاق وحركة الأفكار والمعتقدات على نواميس العدالة هو أكبر مادّة وأغزر منبع وأوفر استعداد للسعادة ، بل لعلّه السبب الوحيد لها .
ويعبّر عن جماع ذلك كلّه في لسان الشريعة : بالتقوى .
ولعلّ الشاعر انتشق شميماً من تلك النفحة ، فأصاب ثغرة الحقيقة الراهنة في قوله :
ولست أرى السعادةَ جمع مالٍ * ولكن التقيّ هو السعيد « 1 »
وحيث بلغنا إلى هذه الغاية فبالحري أن نقف عليها ونجعلها خاتمة ما أردنا بيانه من تلك الأُمور راغبين إلى وليّ السعادة أن يختم لي ولك بها أيّها الناظر الكريم ، وأن يعمّنا وإيّاك ذلك الفوز والنعيم إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) هذا البيت للحطيئة ، راجع ديوانه 75 .