أصلين آخرين ، وهما : العلم والجهل ، وتختلف شدّة وضعفاً ، وتنقسم فروعاً وأُصولًا بحسب اختلاف العلم والجهل وانقسامهما ، وتتفاوت مراتب ذينك باختلاف مراتبهما ، لما كنّا مباعدين عن الحقيقة ولا منحرفين عن جادة الصواب .
كما أنّ أكثر السيّئات وأكبرها يتبع الجهل ، وأتمّ الحسنات وأعظمها يتبع العلم ، بل هو الحسنة الكبرى والنعمة العظمى ، رزقنا اللَّه العلم من فضله وجعلنا من أهله .
وهو الذي يحصل به الاختلاف في معارج الفضل ومدارج القرب والبعد ، وتتفاوت به منازل المقرّبين وحظائر الروحانيّين .
أمّا العقل الذي هو مدار التكليف في الكلّ فهو واحد على تباعد درجاتهم في السعادة وتباينهم في الذكاء والبلادة ، وهو القدر المشترك في العقلاء ، أي : ما يسمّى به الإنسان عاقلًا .
ولهذا كلّفوا بتكليف واحد ، وما علمهم بعلم واحد ، ولا هم في الفضل والعلوم بمرتبة واحدة ، فإنّ الترقّي في العلوم أمر وراء التكليف ، واختلافهم هذا في العلوم كاختلافهم في الأعمال :
« وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا »
« 1 » .
فمن حُجب عن بلوغ الغاية التي يقتضيها استعداده الخصوصي ، وهي سعادته الخصوصية لا سعادته بحسب نوعه « 2 » ، وكان تأخّره عنها لتقصير وتوانٍ
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 132 ، وسورة الأحقاف 46 : 19 .
( 2 ) من هنا يبدو لك نحو تقسيمٍ للسعادة أمام تقسيمنا السابق ، حيث نقول : السعادة إمّا نوعية أو فردية .
والأُولى هي : مجتمع أقصى ما يمكن من الكمالات لذلك النوع في فرد منه .
وهذه المرتبة خاصّة تحت امتياز أشرف الموجودات وأكمل الممكنات وأفضل الكائنات ، وهو روح القطب الحقيقي المطلق والمرتبة الحتمية والنفس المحمّدية ( صلوات اللَّه عليها ) لا القطب الإضافي بحسب كلّ وقت كسائر الأنبياء :« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »[ سورة البقرة 2 : 253 ] .
والسعادة الفردية هي : بلوغ الفرد إلى ما هو مستعدٌّ له بحسب ذاته وبيئته من الكمال .
ثمّ الفردية إمّا دنيوية ، أو أُخروية ، إلى آخر ما ذكرنا . ( منه رحمه الله ) .