بالمبادي ، وعبّروا عن السعادات بمقدّماتها وأسبابها « 1 » .
وعلى مثله جروا في ذكر الأخيرة من مراتب السعادة ، حيث قالوا : هي أن تكون أفعال الإنسان كلّها أفعالًا إلهية ، وهذه الأفعال هي خير محض ، والفعل إذا كان خيراً محضاً فليس يفعله فاعله من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه . وعند ذلك تموت وتنهدر سائر دواعي طباعه البدني بسائر عوارض النفسين البهيميتين والتخيّل المتولّد عنهما ، إلى آخر ما ذكروا في هذه المنزلة العصماء والمرتبة القعساء « 2 » .
والذي أراه أنّ كون أفعال الإنسان على تلك الخاصّة والصفة إنّما هو من آثار السعادة وثمراتها ولوازمها ونتاجاتها ، لا هي نفسها . وما هي إلّاوصول الموجود إلى أقصى مرتبة من الكمال ميسّرة له أو مستعدٌّ هو لها بعموم نوعه أو بخصوص ذاته . فإذا بلغ هذه المرتبة ترتّب عليها ذلك الأثر الذي ذكروا .
ولكن الذين نهجوا ذلك السبيل في هذه المباحث هم جهابذة علم الأخلاق ، وتلك الطريقة من المعاني والتعاريف هي بفنّهم أشبه وإلى موضوع علمهم أقرب ، فتلك أخلاقية ، وطريقتنا فلسفية ، ولكلٍّ وجهةٌ .
والغاية أنّ منتهى مراتب السعادة للإنسان : أن يحيى حياة لا موت بعدها ، ويصحّ صحّة لا سقم معها ، ويقدر قدرة لا عجز فيها ، ويغنى غنى لا فقر معه ، ويبتهج بهجة لا حزن معها ، ويلذّ لذّة لا انقطاع لها ولا فتور فيها ، ويقوى قوّةً لا ضعف بها ولا آخر لأوّلها .
هامش
( 1 ) انظر نفس المصادر المتقدّمة .
( 2 ) القعساء : العالية المرتفعة . ( القاموس المحيط 2 : 250 ) .