مقتضيات طباعه ونواميس كيانه وضروريات ذاته التي لا يمكنه المحيص عنها ولا التفصّي منها ، وقد قالوا : الذاتي لا يتخلّف ولا يختلف .
وكيف العدل ! وقد جعل هذا شقيّاً وهذا سعيداً ، « وقبض قبضة وقال : للنار ولا أُبالي ، وقبض أُخرى ، وقال : للجنّة ولا أُبالي » « 1 » .
فأين عدم الظلم الذي ذكره ( جلّ شأنه ) لذاته المقدّسة في قوله :
« وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 2 » ،
« وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ »
« 3 » ؟ !
فنقول : هوّن ما شقّ عليك واستمع لما نلقيه إليك ، فإنّ سرّ القدر وإن كان لا ينبغي بل لا يجوز الخوض فيه ، ولكنّا نرى أنّ ذلك مصروف إلى الضعفة والعجّز من الناس ، فإنّ خوض هؤلاء فيه - نظراً إلى قصورهم - ينجرّ إلى ضلالهم وارتباكهم وتردّيهم وهلاكهم .
والشريعة المقدّسة الإسلامية ما حجرت كحجر غيرها على العقول ، ولا سدّت كسواها على الأفكار في أيّ مسألة كانت وأيّ نظرية فُرضت .
نعم ، هناك عويصات وملتويات لا يجد العقل لنفسه سبيلًا إليها ويعترف هو نفسه بالعجز عنها ، لا أنّ أحداً صدّه أو منعه دونها .
فالعقل في هذه الشريعة المحمّدية له تمام الاختيار وأحرى مبالغ الحرّية . أمّا هذه النظرية الدقيقة فنتكلّم فيها يسيراً على حسب ما يتّسع له هذا الظرف وتحتمله البيئة ، ولا نُحمّل الظروف فوق وسعها ، ولا أنفسنا فوق طاقتها .
وعليه ، فقبل كلّ شيء يجدر بك أن تعلم أنّ استعدادات البشر وإن اختلفت
هامش
( 1 ) انظر مسند أحمد 5 : 239 .
( 2 ) سورة ق 50 : 29 .
( 3 ) سورة الزخرف 43 : 76 .