ألست تعلم أنّ اللَّه ( جلّت حكمته ) إنّما رزق الجنين وهو في غشاوته بلا سعي وطلب إنّما هو لأنّه لم يملّكه بعدُ أدوات الطلب ولم يمكّنه من آلات الكسب ؟ !
وحاشا لعنايته أن تضيع صنعاً ، أو تهمل خلقاً ، أو تكلّف محالًا وشططاً .
أمّا الإنسان فقد مكّنه وملّكه ، وقوّاه وأقدره ، وسهّل السبيل له ويسّره ، ودلّه بغريزة العقل الداخلي والتعليم الخارجي على كلّ ما به صلاحه وفساده وما يكمل ويهنأ به معاشه ومعاده .
فكيف يصحّ القياس ويتمّ التمثيل ؟ !
ولكنّه شعر ، والشعر إلى تمثيل الصور والأوهام أقرب منه إلى تمثيل الحقائق على الأغلب !
وفي هذا مقنع وكفاية إن شاء اللَّه .
الثامن : في الاستعدادات واختلافها وتنوّعاتها .
عساك في وهلة النظر وبادئ الأمر تبادر في السؤال : أنّه إذا كانت الفضائل والرذائل والمحاسن والمقابح والخيرات والشرور كلّها مقدّرة علينا قبل صدورها معجونة فينا قبل وقوعها تصدر عنّا بأوقاتها باختيارنا ودواعينا والمبادئ المتيسّرة لنا ، فما بالنا لا نتساوى فيها ولا نتماثل ولا نتشابه ولا نتشاكل ؟ !
وإذا كانت مختلفة باختلاف الطبائع والغرائز والأُصول والمعادن - كما ورد :
« الناس معادن ، كمعادن الذهب والفضّة » « 1 » - عادت المحاذير ، ولم يمكن فعل الحسن ولا ترك القبيح ، ولم يفضّل السعيد على الشقي ؛ لأنّ كلّ امرئٍ حينئذٍ يجري على
هامش
( 1 ) قارن : مسند أحمد 2 : 498 و 539 ، الكافي 8 : 177 ، جامع بيان العلم 1 : 19 ، مشكاة المصابيح 1 : 103 ، كنزالعمّال 10 : 149 و 169 .