تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
والبلادة ، والانحراف والاستقامة في سائر الغرائز والخلال . ومن تلك الاختلافات التي في تراكيبها حصل الاختلاف في الأميال والأشواق والعقول والإرادات إلى أنواع الأعمال والصناعات وأنحاء العلوم والحرف والمهن والأشغال . فنزع كلٌّ بطبعه إلى عمل أو علم ينفر أو لا يميل إليه الآخر ، ويستحسن كلٌّ ما يستقبحه غيره . وهذا من أعظم مظاهر العنايات الإلهية وأسرار الحكمة الأزلية ؛ إذ العناية اقتضت نظام الكون على أحسن ما يمكن ، ولو تساوت الاستعدادات والأهواء والأميال والرغبات لاختلّ النظام وارتفع الصلاح العامّ ، ولفسد العالم وتلاشى من فيه . فإنّ بقاءهم طبقة واحدة على حالة واحدة في مرتبة واحدة يخلّ بصالحهم ويذهب براحتهم ، بل يأتي على وجودهم ويمحق روح كيانهم ، كما هو جلي واضح غني عن الشرح . مع ما يلزمه من بقاء سائر المراتب في كتم العدم مع إمكانها ، فكان حيفاً عليهم وجوراً ، لا قسطاً وعدلًا ، وبقي الاحتياج في العالم إليها وافتقاره عند عدمها . أترى أنّ السؤال بأنّه : لماذا لم يكن السوقي ملكاً ، والجاهل عالماً ، والأُمّي كاتباً ، والبدوي حاضراً ، والجندي أميراً ، والأمير وزيراً ، والكاسب كاتباً ، والزارع حاطباً ، وهكذا إلى غير نهاية ، هل هذه الأسئلة إلّاكالسؤال بأنّه : لماذا لم يكن البصل زعفراناً ، والشوك ورداً ، والفحم عسجداً « 1 » ، والكلب أسداً ، والحمار
هامش
( 1 ) العَسجَد : الذهب . ( جمهرة اللغة 2 : 1136 ) .