عن ملكوته ، ويبخسه حقّه ، ويسدّ على نفسه أبواب ألطافه التي لا تتناهى ، فيسيء إلى نفسه ويحجر عليها أقصى ما هي مستعدّة له من الكمالات ونيل الكرامات .
وفي إزاء ذلك أيضاً لا يعتمد ويتّكل على القضاء والقدر ، وعلى ما في السماء من الرزق ، فيخالف سنّة اللَّه وكلمته الحسنى التي سبقت لعباده نظراً لهم ورحمة بهم من ربط الأُمور بأسبابها ودخول البيوت من أبوابها :
« فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ »
« 1 » ، هم الذين يخالفون حكمة اللَّه في سابق علمه وأزلي تدبيره .
فالإنسان حتم عليه أن يسعى ، لكن متّكلًا على اللَّه لا على سعيه ناظراً إلى أنّه ( تعالى ) هو الذي يسّره للسعي ، وأوجد له الأسباب ، ومهّد له السبل ، وأعطاه غريزة العقل والاهتداء إليها بتعليم خارجي أو تنبّه داخلي .
كما أنّ من الحري به أن يسعى للدنيا ، ولا ينسَ نصيبه من الآخرة ، ولا يركن إلى المتاع الفاني عاشقاً له هائماً به .
وأيّ عناية وشفقة على الإنسان أبرّ وأرحم به من هذه التربية الحنون وهذه العظة البالغة ( عظة الزهد في الدنيا وعدم الاعتداد والشغف بها ) طالما أنّ اللَّه ( جلّ شأنه ) والخلق جميعاً عالمون علماً يقينياً لا يشوبه ريب أنّهم لا محالة مفارقون لهذا المتاع الزائل والحطام البائد والزخرف الغرور ؟ !
أفليس من عظيم الشفقة والرحمة بالإنسان تعليمه وتقويمه على أن لا يعشقها حتّى لا تشتدّ الحسرة والرزيّة عليه عند فراقها طالما هو مفارقها لا محالة ؟ !
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون 23 : 7 ، وسورة المعارج 70 : 31 .