أشدّ الاختلاف وتباينت أبعد التباين ، حتّى لا تكاد تجداً امرأين متساويين من كلّ جهة ، ولكن ما أُنيطت التكاليف به من الاستعداد لابدّ وأن يكون متساوياً حيث تتساوى التكاليف .
بمعنى : أنّ اللَّه ( سبحانه ) لا يعقد من أطواق التكاليف على أعناق البشر إلّا على قدر طاقتهم ومبالغ قوّتهم ، ويزيد تكليف كلٍّ وينقص على حسب زيادة استعداده ونقصه . وقد تقدّم بعض هذا في أوائل هذا الجزء « 1 » .
والذي نريد ذكره هنا من ذلك : أنّ في مرحلة التكاليف لا يتصوّر ولا يقع إلّا العدل والموازنة الصحيحة ، وليس فيها من مجال لذلك السؤال ، كما هو - بعد التنبيه عليه - جلي ظاهر .
أمّا في غير ذلك فالاستعدادات متنوّعة والحقائق مختلفة ، والأرواح البشرية في فطرتها الأُولى متغايرةٌ في الصفاء والكدر والضعف والقوّة ، مترتّبة في درجات القرب والبعد ترتّب ضوء الشمس منها ومركّبات المواد الطبيعية بحسب طباعها ، متباعدةٌ في اللطافة والكثافة ومزاجاتها ، متباينةٌ في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي .
فقابليتها لما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة ، وقد قُدّر بإزاء كلٍّ ما يناسبه ، فحصل من مجموع ذلك استعدادات خصوصية مناسبة لبعض العلوم والإدراكات والطباع والأحوال والمهن والأشغال .
وذلك الاختلاف حصل من أنحاء التركيبات الطبيعية التي اقتضت صفات خصوصية من : الحدّة واللين ، والشراسة والدعة ، والقوّة والضعف ، والذكاء
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 154 .