لوهم أنّه مسوق إلى الإنسان على رغم توانيه ونشاطه سعى إليه أم تقاعد عنه ، فقال في مقام آخر من تعداد مننه وألطافه :
« هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ »
« 1 » ، فقرن الرزق بالسعي في الأرض التي ذلّلها للسعي والطلب .
وإذا تصفّحت الكتاب والسنّة المقدّسين وجدت فيهما شواهد صدقٍ على ذلك لا تُحدّ ولا تُجحد ، وسيمرّ عليك كثير منها في غضون دعوتنا هذه قصداً أو استطراداً .
ولا يصادم شيئاً من ذلك ما ورد من الحثّ على الزهد في الدنيا والرغبة عنها ، وهو الأكثر والأظهر على لهجة الكتاب الكريم ولسان السنّة النبويّة « 2 » ، بل وكأنّ إليه القصد والعناية ، وهو الأصيل بالبيان والغاية من البعثة والرسالة .
ولكن الأفهام والأوهام وبالأسف كأنّها قد حوّرته عن وجهته وحارت به عن قصده وخِطّته ، وأضاعت جوهر ما توعز إليه تلك العلاجات الناجعة
هامش
( 1 ) سورة الملك 67 : 15 .
( 2 ) في الكتاب الكريم كثير من الآيات تشير لهذه المسألة ، فراجع أغلب سوره .
وأمّا السنّة النبويّة فالأحاديث بهذا الشأن كثيرة ، منها : « طوبى لمن تواضع للَّهعزّ ذكره ، وزهد فيما أحلّ له من غير رغبة عن سنّتي ، ورفض زهرة الدنيا من غير تحوّل عن سنّتي » . ( تحف العقول 30 ) .
ومنها : « الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد اللَّه ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبت بها أرغب منك فيها لو أنّها أُبقيت لك » . ( كنز العمّال 3 : 181 ) .
ومنها : « أفلح الزاهد في الدنيا ، حظي بعزّ العاجلة وبثواب الآخرة » . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 331 ) .
وراجع كذلك : الكافي 2 : 128 - 137 ، جامع بيان العلم 2 : 18 ، كنز العمّال 3 : 181 - 240 .