عظمته ) وجاءوا شيئاً إدّاً تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً ! فنسبوا إلى خالقهم ما لا ينسبونه إلى أشقى الخلائق ، وجاهروا بذلك على رؤوس الأشهاد من غير مواربة « 1 » ولا حجاب ، فقال أحد المشاهير المعروف ( بابن غانم المقدسي ) « 2 » المتوفّى في حدود القرن العاشر :
( إنّ للَّهأمرٌ بالكلام وإرادةٌ للفعل فقط ، ثمّ هو قبل أن يخلق الخلق قسّمهم هذا للجنّة والسعادة والعلم الصالح ، وذاك للنار والشقاء وعمل الفساد . فإذا وجدوا في هذه الحياة وابتدأ الشقي أن يقتل مثلًا أو يزني أو يسرق ، فيأمره اللَّه بالكلام فقط : لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، ولكنّه في آن واحد يجرّه بقوّته الخفية إلى أن يقتل أو يزني أو يسرق ؛ لعلّة أنّه يستحيل أن يفعل غير ذلك ؛ لأنّه مكتوب قبل وجود العالم : شقيٌّ للنار !
والأمر الذي يقوله اللَّه ( تعالى ) له في الدين : لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، ليس إلّاصورة بصفة حجّة ظاهرية فقط لا تأثير منها ولا فائدة في منعه .
حتّى قد يجوز إذا كان قد عمل أعمالًا طيّبة صالحة إلى النهاية وكان مكتوباً من الأشقياء كإبليس ، فهي لا تنفعه مطلقاً وكأنّها في هباءٍ ، وبالعكس . . . ) إلى آخر ما ذكره .
هامش
( 1 ) المواربة : المداهاة والمخاتلة . ( لسان العرب 15 : 265 ) .
( 2 ) نور الدين علي بن محمّد بن علي المعروف بابن غانم المقدسي ، من ولد سعد بن عبادة الخزرجي ، أحد أكابر الحنفية في عصره ، أصله من بيت المقدس ، ومولده ونشأته ووفاته بالقاهرة . من كتبه : الرمز في شرح نظم الكنز لابن الفصيح ، نور الشمعة في أحكام الجمعة ، بغية المرتاد في تصحيح الضاد ، حاشية على القاموس . توفّي سنة 1004 ه .
( البدر الطالع 1 : 491 ، الأعلام للزركلي 5 : 12 ) .