فلا حول ولا قوّة إلّابك .
ونحن إذا قايسنا بين ذينك المقالتين بل المضلّتين وجدنا الأُولى - على شناعتها وزيغها - أهون الشرّين وأقلّ الضررين ، نجدها أهون على الأُمّة شرّاً أو أقلّ في المجتمع البشري خطراً ، نجدها أخفّ رزية وأضعف بلية ؛ إذ أيّ بلية أعظم من الاتّكال على القضاء والقدر ، والإفساح للنفوس في السباق إلى كلّ شرٍّ وشره ، والتقاعد عن كلّ كمال وكرامة ، وجعل ذلك في عهدة القضاء ، والتعلّل بأنّه ممّا لا محيص للإنسان عنه ، وأنّه مجبور عليه ، وتهمة ذات العزّة بوصمته وإحالته على عهدة الحقّ ( جلّ شأنه ) دون عهدته ، فينزّه نفسه ويتّهم ربّه ؟ !
أيّ إنسان يراجع وجدانه ومحكمة عقله وضميره ، فيفسح لها العذر - بحجّة القضاء والقدر - في ارتكاب كبيرة أو اجتراح جريرة من قتل نفس بريئة أو اغتصاب مال محترم أو هتك حرمة مقدّسة ؟ !
الإنسان إذا أطلّ وأشرف على واحدة من تلك الجرائر أيجد وجدانه وضميره يقول له : دونك فارتكبها ، فإنّها مقدّرة لك مكتوبة في لوح القضاء عليك ، ولا محيص لك عنها ، وهو في الحال نفسه يحسّ ببداهة حسّه أنّ فعلها وتركها شرَع لديه سيّان بالنسبة إليه كلاهما في قبضة اقتداره وتحت سلطان اختياره ؟ !
دع عنك - يا هذا - هذه الخزعبلات والمخرفات والأباطيل والتعلّلات ، فإنّ اللَّه ( جلّ شأنه ) ما جعل القضاء والقدر لتتّخذه ستاراً لسيّئاتك وتمشية لشهواتك وعصىً تتوصّل بها إلى معاصيك وأهوائك ، وإنّما جعلهما إظهاراً لعظمته وبياناً لسعة علمه وإحاطته ونفوذ سلطانه وبلاغ قدرته .
ألا تعجب سائلًا من أُولئك المسلمين القائلين : ( إنّ للَّهأن يعذّب بلا سبب ) « 1 » : كيف غابت عنهم آيات كتابهم الكريم ونصوصه الصراح ومحكماته
هامش
( 1 ) تقدّمت مصادر هذه المسألة فيما سبق .