أمّا إذا لم نجد الملائمة أو المنافرة في الشيء المدرك ابتداءً استعمل العقل لا محالة قوّة التفكّر والوهم قوّة التخيّل في طلب الترجيح بوجهٍ وهمي أو عقلي ، فيتحرّكان حركة اختيارية إرادية في الطلب ، فربّما كان ملائماً ببعض الوجوه غير ملائم ببعضها ؛ لملائمة بعض الحواسّ دون بعض ، أو بعض الأعضاء دون الآخر ، أو للحسّ لا للعقل ، أو في العاجل دون الآجل ، أو العكس ، أو بالنظر إلى بعض المصالح دون بعض .
ويحدث بحسب كلّ مصلحة وترجيح داعٍ وبحسب كلّ منافرة صارف ، فإن ترجّحت الدواعي حدث العزم الجازم على الفعل فيجب ، وإن ترجّحت الصوارف حدث العزم على الترك فيجب كذلك . وكلاهما بالاختيار .
وهناك تتّجه اللائمة أو الثناء والمدح أو المذمّة بحسب حسن الاختيار وقبحه .
وعليه يترتّب الثواب والعقاب ، ويظهر الفرق بين المكره والمختار .
وقد لا يظهر وجه الرجحان ، فتبقى النفس في الحيرة والترديد .
وقد نظر بعضٌ إلى أنّ وجود بعض تلك المبادي من قوّة الإدراك والعلم والقدرة كنفس وجودنا ليس باختيارنا ، وإلّا لتسلسلت القدرة والعلوم والإرادات إلى غير النهاية أو دارت ، فطمح بنظره الحديد إلى أبعد أسبابها ، فرأى أنّ الوسائط والأسباب القريبة كلّها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى العلّة الأُولى استناداً واجباً ، فقال بالجبر وخلق الأفعال مطلقاً له ( تعالى ) « 1 » ، ولم يفرّق بين أفعال ذوي الشعور وأفعال الجمادات بغير أنّ اللَّه
هامش
( 1 ) تقدّمت المصادر في ص 366 .