شيء آخر ، وهو القدرة والاستطاعة .
فهذه ثلاث أساسيات ومقدّمات للأفعال هي : العلم ، والإرادة ، والقدرة .
أمّا العلم فقد بلغك أقوالهم فيه من : أنّه حصول صورة الشيء في النفس ، وما أشبه ذلك من العبارات « 1 » ، وكلٌّ نظر إلى جهة من العلم ، فقال قولًا فيه .
وقد عرفت ما نراه سالفاً عند بحثنا عن الإدراك وأنّه نوع اتّحاد وسعة في النفس وخلّاقية لها ، والعلم هو الإدراك بوجهٍ .
نعم ، وهذه الحيويات الثلاث كلّها من الكيفيات النفسانية ، فإنّ القدرة أيضاً كالعلم : هيئة نفسانية يتمكّن بها الإنسان من الفعل والترك متى شاء ، وأمّا الإرادة فهي : توجّه النفس بالعزيمة والطلب الجازم إلى حصول الفعل أو الترك .
ولكلٍّ من هذا الثلاث مبادٍ لا تتحقّق بدونها . .
أمّا مبدأ الإرادة فقد علمت أنّه العلم والإدراك . فإذا أدركنا شيئاً علمناه ، وإذا علمناه فإمّا أن نجده ملائماً للنفس أو منافراً ، والحاكم بالمنافرة أو الملائمة إمّا الوهم أو بديهة العقل السليم .
فإذا أحسسنا بالملائمة أو المنافرة انبعث منّا شوق أكيد إلى جذبه أو دفعه ، وذلك الشوق هو العزم الجازم الذي نسمّيه : بالإرادة ، وإذا انضمّت إليها القدرة التي هي القوّة الفاعلة انبعثت هذه القوّة بدافع الإرادة والشوق الأكيد إلى تحريك الأعضاء .
أمّا العلم والقدرة فمبدؤهما الحياة . وهي - بحسب ما أراه - تختلف
هامش
( 1 ) راجع : رسائل إخوان الصفا 3 : 293 و 385 ، المباحث المشرقية 1 : 439 و 444 و 450 ، مطالع الأنظار 210 ، التعريفات للجرجاني 110 ، الحكمة المتعالية 3 : 278 و 284 و 285 ، شوارق الإلهام 51 - 52 ، كشّاف اصطلاحات الفنون 2 : 1055 ، شرح المنظومة 2 : 485 - 487 .