لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً »
« 1 » .
ولئن كان شيء أقرب إلى الحقيقة فهو تلك الأساسيات والرموز التي كشفنا نقابها ؛ إذ لا أخالك تفهم من قلم اللَّه ( جلّت عظمته ) ما يفهمه الجامدون من المعطّلة والمشبّهة ، فتحسب أنّ القلم هنا آلةً جمادية من حديد أو قصب ، واللوح صفحة ملساء من عاج أو خشب ، أو أنّ الكتابة تحريك اليد بتلك الأدوات وتصوير أشكال الحروف والكلمات .
وقد قال بعض الأكابر : ( إنّ ذات اللَّه وصفاته كما لا يشبه ذات الخلق وصفاتهم ، كذلك لا يشبه قلمه ولوحه وكتابه أقلامهم وألواحهم وكتابتهم ) « 2 » .
على أنّك لو نظرت في مدلولات هذه الألفاظ وجرّدتها عن الزوائد غير الداخلة في أصل مفهومها وروح معناها وجدت أنّ هذه الخصوصيات - ككونها قصباً أو خشباً أو مداداً - خارجة عن أصل ماهيتها وجوهر حقيقتها .
وما الكتابة سوى : تصوير الحقائق على أيّة صورت كانت ، ولا اللوح سوى : الجوهر القابل لذلك التصوير ، سواء كان جسماً محسوساً أو غير محسوس .
وإذا تدبّرت ذلك فحمل هذه الأُمور على ما يناسب الإلهية أولى من حملها على ما يناسب الخلق .
ثمّ إنّ قلوب الملائكة العمّالة ونفوس المدبّرات العلوية المشار إليها بقوله
هامش
( 1 ) سورة الكهف 18 : 109 .
( 2 ) القائل هو صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية 6 : 298 .