قد ذكروا لتوضيح هذه المشكلات مثلًا مناسباً لاستنزال تلك الشامخات من أوج منعتها إلى فسحة الأذهان بحسن البيان « 1 » ، ويحسن هنا إيراده بتوضيح واختصار .
وهو : أنّ صورة العالم بعينها كصورة إنسان ، فكما أنّ لأفعال الإنسان - عند صدورها منه وبروزها من مكامن غيبها إلى مظاهر شهادتها - أربع مراتب ، فهي أوّلًا في مكمن روحه الذي هو غيب غيوبه على غاية الخفاء ، كأنّها غير مشعور بها لغاية الصفاء والقرب من التجرّد ، ثم تتنزّل إلى مخزن قلبه عند استحضارها وإخطارها بالبال كلّية ، ثمّ تتنزّل إلى مخزن خياله مشخّصة جزئية ، ثمّ ينبعث شوقه وإرادته إليها ، فتتحرّك الأعضاء عند إرادة إيجادها ، فتظهر منه في الخارج ، فكذلك لما يحدث في الخارج من الحوادث بحسب مادّته وأسبابه ؛ إذ الأُولى بمنزلة العناية ، والثانية بمنزلة القضاء ، والثالثة بمقام القدر ، والرابعة بمثابة الصور الحادثة في الموادّ العنصرية .
ولعلّك إذا نظرت إلى حالك في محفوظاتك من قرآن أو حديث أو شعر أو غير ذلك - عند إرادة تلاوتها وإبرازها إلى خارج الوجود - وجدتها مطابقة لذلك .
ولعلّ إلى بعض هذه المراتب الإشارة بقوله ( تعالى ) :
« وَالطُّورِ * وَكِتابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ »
« 2 » . ومن الجائز - والعلم للَّه - أن يكون الطور إشارة إلى العرش والعناية
هامش
( 1 ) لاحظ الحكمة المتعالية 6 : 298 - 299 .
( 2 ) سورة الطور 52 : 1 - 6 .