ويتفرّع على ذلك مقام آخر غير ذينك المقامين ، وهو : مقام التفصيل ، مقام تقديس النفس عن الكيل البخس . وما هو إلّامن سقوطها وتعاستها وتسويلها ودسائسها .
وذاك أنّه إذا جاءت بأقلّ حسنة أو وُفّقت لأدنى مكرمة أخذت في التبجّح وغالت وتعالت في التفوّق والترجّح ، وحسبت أنّ ذلك لها وحدها لم يكن لأحد قبلها ولا يكون لمن بعدها ، وجرت في ذلك على غلوائها وتكبّرها واستعلائها ، وأخذت في الحماس والزهو به فعل المستبدّ بالصنع المتفرّد بالإيجاد !
وهي في أشدّ غشاء من الغفلة عن أنّ لها خالقاً هو الذي يسّر لها ذلك ، ومهّد لها السبل إليه والمسالك ، وأوجد سلسلة الأسباب الموصلة إليه ، ودلّها بلطائف التنبيهات عليه ، ذاهلة عن كون ما جاءت به من الفعل الجميل والإحسان القليل قد كان نِتاج ما لا يعدّ ولا يحصى من المعدّات والأسباب طبيعية وصناعية حيوية وجمادية ، بحيث لو افتقدت أضعف سبب منها لعجزت وجميع البشر عن تكوينه وإيجاده . فهي في بيداء هذه المجهلة والمتاهة بمكان من التفويض والقدر ، وما هو فوقه بكثير .
نعم ، وقد تتمادى في الجهل وتمتدّ بالغرور حتّى تعدّ السيّئة حسنة ، وترى الهناءة بالهنة ، فتستسمن ذا ورم ، وتنفخ في غير ضرم .
هذا حالها في محاسنها ، أو ما تعدّه منها .
أمّا إذا أصابها القصور وعرفت الجهل من ذاتها والغرور والفتور ، أو وقعت - وما أكثر ما تقع - في البطالة والكسل والعي عن السعي والعمل ، والأناة عن الجدّ والطلب وتحمّل النَصب والتعب في سبيل الراحة اللازمة وتحصيل السعادة الدائمة ، جعلت ذلك كلّه في عهدة القضاء والقدر ، وتشبّثت بأذيال الجبر
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 382
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٣٨٢