وبين ما نحن فيه إن شاء اللَّه .
وهي : أنّ أكابر العرفاء قد ذكروا : أنّ للعبد في منتهى سيره وسلوكه مقاماً شامخاً ومعراجاً باذخاً ، وهو مقام الفناء في اللَّه .
وذاك على وجهه المعقول أن تفنى جميع إرادات العبد وخواطره وأمياله وشهواته في إرادة اللَّه ( تعالى ) ، وتموت كلّ جارحة منه وعزيمة في أوامره ( تعالى ) وعزائمه دون رُخَصِه وإباحاته ، إلّاإذا عرضت لها جهة رجحان من غير ذاتها من تشريع أو تعليم أو غير ذلك « 1 » .
وعلى الخلاصة : يصل العبد إلى حيث لا يبقى له خاطر من نفسه ولا إرادة من قبل ذاته ، بل يكون - وللَّه المثل الأعلى - كالآلة في يد ذيها والسفينة في قبضة مجريها ، بل متعالياً إلى ما هو أجلّ وأعلى ، فيكون العبد - وتعالى اللَّه عن الأدوات والجوارح - عينه الناظرة وأُذنه الواعية ويده الباسطة ، بل ينعكس على ما في حديثه القدسي ( تقدّست آلاؤه ) : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع ، وبصره الذي به يبصر ، ويده التي بها يبطش » « 2 » .
وليس هذا من الجبر بشيء ، بل من الاستهلاك في الجبروتية والفناء في التوحيد والأحدية ، ولكن هو أشبه شيء به .
هامش
( 1 ) قارن : شرح فصوص الحكم للغراب 147 ، شرح القاساني على فصوص الحكم 152 - 153 ، الحكمة المتعالية 6 : 377 - 378 .
( 2 ) انظر : المحاسن للبرقي 291 ، صحيح البخاري 5 : 2385 ، مسند أبي يعلى 12 : 520 ، السنن الكبرى للبيهقي 3 : 346 و 10 : 219 ، الزهد للبيهقي 269 ، شرح السنّة للبغوي 3 : 299 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 1 : 202 ، مجمع الزوائد 10 : 269 - 270 ، إرشاد الساري 9 : 289 ، الأحاديث القدسية 75 ، بأدنى تفاوت .
ولاحظ شرح هذا الحديث القدسي في شرح الإتحافات السنية 160 و 192 .