وعليه يحمل ما في كلمات بعض أكابر العرفاء الذي قد تكرّر مضمونه منهم نظماً ونثراً ، ولا سيّما في منظومات عرفاء الفرس ، وذاك كقول القائل منهم :
در پس آينه طوطي صفتم داشتهاند * آنچه أُستاد أزل گفت بگو ميگويم
من اگر خارم اگر گل چمن آرائي هست * هر چه آن دست كه ميپروردم ميرويم « 1 »
وعلى العلّات فليس الغرض بسط الكلام في حال هذا المقام والخوض في إمكانه ووقوعه أو عدم ذلك ، ولئن كان فهو خاصٌّ للخاصّة من عباد اللَّه من الملائكة المقرّبين وأكابر الأنبياء والمرسلين والصفوة من أوصيائهم وخلفائهم .
وهؤلاء من نقوله فيهم على الجزم واليقين ، وأمّا في غيرهم ممّن يدّعيه أو يُدّعى له فهو على التجويز والاحتمال حيث لا يكون من مختلس دجّال ، واللَّه أعلم بحقيقة الحال : كلّ ما قرع سمعك من غرائب الأكوان فذره في بقعة الإمكان حتّى يذودك عنه قائم البرهان « 2 » .
وإنّما الغرض أنّنا نحن عامّة البشر - سوى من عرفت ممّن عرف اللَّه - لنا جميعاً مقام على العكس من ذلك المقام ، وذاك هو مقام الفناء في النفس والعكوف على أهوائها وشهواتها !
هامش
( 1 ) هذان البيتان للشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي . راجع ديوانه ( فارسي ) 165 .
مع العلم بأنّه قد ورد في الديوان : ( كه أز ) بدل : ( هرچه ) .
ومعنى البيت الأوّل : في وراء المرآة جعلوا صفتي كصفة الببغاء ، ما قاله أُستاذ الأزل قل : أقول .
ومعنى البيت الثاني : لو كنتُ شوكاً أو كان هناك من يربّي حديقة الورد ، فإنّي أتربّى على تلك اليد التي تربّيني .
( 2 ) لاحظ الإشارات والتنبيهات 4 : 160 .