تجد الأكثر منّا منذ أدرك رشده وتمييزه ومنحه المنعم من العقل تلك الغريزة لا يزال عاملًا على الجري في سوم طباعه ومشيّة مشتهياته ، كأن ليس فوقه ملك قاهر ولا ناهٍ عليه ولا آمر !
يسعى كادحاً معتمداً على أفكاره ومساعيه متوسّلًا بالأسباب وحدها إلى مقاصده متّكلًا عليها غافلًا عن مسبّبها ومُجريها ومُنشئِه ومنشيها !
وهذا - والعياذ باللَّه - مقام فوق مقامات الجبر والتفويض ؛ إذ وحتّى التفويض يقضي بالالتفات إلى مُفوّض إليه سواه ومقتدر فوقه ، وأمّا ذاك فلا يرى سوى نفسه ، ولا يتّكل ويعتمد إلّاعلى أفكاره وحدسه ومعاناته وسعيه وجرأته وجريه ، كادحاً في هواه آبقاً من مولاه على الرغم من الفطرة التي فطرنا المبدع عليها واضطرّنا بضرورة العقول عليها :
« أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »
« 1 » .
ولو أنصفنا لقلنا جميعاً : نعم ، كلّنا كذلك ، وما الناس إلّاهالك وابن هالك ، إلّا من اعتصم وعصمه المالك .
وما أقلّ ما نحصي من أعمالنا التي هي على صحّة الخلوص وصدق الامتثال والإجابة .
نعم ، وإذا ارتقينا عن هذا المقام وجدتنا في أعمال الخير نرتقب عوامل التوفيق وجواذب القسر والجبر إليه ، وإلّا فما شئت من التواني والكسل .
أمّا إذا هبّت ريح الشهوات النفسانية وتحرّكت بدوافع الرغبة بواعث الأغراض الذاتية ، فهناك الجدّ والنشاط والسعي والانبساط .
فنحن بالطاعات والخير أُمّة جبرية ، وفي الأهواء والشهوات مفوّضة قدرية .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان 25 : 43 .