وحلّوا ديار الغربة . وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فاصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك . . . » « 1 » .
إلى آخر ما ذكره ( رفع اللَّه في الملأ الأعلى ذكره ) من لطائف الأخلاق وطرائف الحكمة وأسرار العلم وأنوار المعرفة .
والغرض أنّ التقوى هي جامعة حقوق اللَّه على العبد ، فعدل العبد مع مولاه أن يتّقيه ويخشاه ، ولا يرضى إلّابما يرضاه .
ووجه ذلك في نفسه واضح بيّن إن كنت بوجود صانع لك تستيقن .
فإنّك - بناءً عليه - تعلم أنّ ذاتك ونفسك وعقلك وحسّك ، بل جميع أنفاسك وحواسّك من عينك وأُذنك وفمك ولسانك وبنانك وكلمك ، بل جميع أعضائك من قرنك إلى قدمك ، بل جميع ما فيها من قواك ، بل كلّ أقوالك وأفعالك وخيالك وهواك وسخطك ورضاك ، كلّ ذلك ملك له بحقيقة الملكية والسلطنة والولاية من دون شائبة تجوّز أو مسامحة أو كناية ، فالتصرّف في شيء منها بدون إذنه ومراضيه وعلى غير الوجه الذي أباحه ورخّص فيه ظلمٌ وعدوان وجور على وليّ الإحسان .
فحقيقة التقوى إذاً : أن يجعل العبد مالك تلك الأُمور نصب عينه في جميع حركاته وسكناته وأهوائه وخيالاته ، فلا يتصرّف في شيء منها إلّاعلى الوجه الذي يعلم فيه برضاه ورخصته ، ويداوم على هذه المراقبة والمحاسبة والخيفة والخشية حتّى تصير له ملَكَة تنجيه من كلّ هلكة ، فلا يصدر منه قبض أو بسط أو رفع أو حطّ أو هوى أو خيال أو فعل أو مقال إلّاعلى طبق ذلك ووفق رضا المالك .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 392 . ولكن وردت في المصدر زيادة : ( فإنّك ) قبل : ( تجدهم ) .