وأشار إلى ذلك والحثّ عليه والاهتمام به في سائر كلماته وخطبه ، حتّى يوشك أن لا توجد له خطبة أو خطاب أو كلام أو كتاب أو دعاء أو ثناء أو عهد أو وصية عمومية أو خصوصية - ممّا اشتمل عليه ( النهج ) أو أُدرج في غير ذلك الدرج - إلّاوفيها الحثّ على تقوى اللَّه ، وتطبيق الحركة والسكون على ما يوافق رضاه .
وما برح عليه السلام يُلزم بذلك ويُحتّمه ، وبه يبتدِئ كلامه وبه يختمه .
شرّف نظرك واصرف عقلك وفكرك إلى وصيته لولده الحسن عليه السلام التي كتبها إليه بحاضرين « 1 » منصرفاً من صفّين .
وهي من أطول وصاياه وأجمعها لخصائص الحسن ومزاياه ، ومن أفصح الكلام وأبلغه وأجمعه لدقائق الحكمة العلمية والعملية ولطائفهما ، وهي تشتمل على فصول في مطالب شتّى .
وأوّلها : « من الوالد الفاني المقرّ للزمان المدبر العمر المستسلم للدهر إلى المولود المؤمّل ما لا يُدرك السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ورهينة الأيّام ، ورمية المصائب وعبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الأحزان ونصب الآفات وصريع الشهوات وخليفة
هامش
( 1 ) حاضرين : اسم بلدة بنواحي صفّين .
وقال ابن أبي الحديد : ( أمّا قوله : كتبها إليه بحاضرين ، فالذي كنّا نقرؤه قديماً : كتبها إليه بالحاضرَيْن ، على صيغة التثنية ، يعني : حاضر حلب وحاضر قلنّسرين ، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد ، ثمّ قرأناه - بعد ذلك - على جماعة من الشيوخ بغير لامٍ ، ولم يفسّروه . ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية ، ومنهم من يقول : بخناصرين ، يظنّونه تثنية خناصرة أو جمعها . وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنّفة - سيّما في البلاد والأرضين - فلم أجدها ، ولعلّ أظفر بها فيما بعد ، فأُلحقها في هذا الموضع ) . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8 : 238 ) .