روحانياً ، أبى له هذا الكيان المادّي إلّاأن يستنزل الحقائق المعقولة من ذروة تجرّدها إلى حضيض التمثيل والتجسيم ، ولا سيّما بعد أن رأى نفسه مضطرّاً إلى الإذعان بها مع عجزه عن اكتناهها وتحصيل جواهر معانيها ، فلا جرم تدرّج إلى إقامة الأشباح والهياكل ونصب الصور والتماثيل ؛ ليرى من تلك الحقيقة شبحاً بعينه ، ويلتمس مثالًا لها في مظاهره ، ويمسّ شيئاً منها بملامسه .
بيد أنّك لو تدبّرت أحوال كلّ هاتيك الأُمم - على اختلافها وتنوّعاتها في معبوداتها الوثنية - لم تجد فيها من تناهي الجهل به إلى افتراض تلك الهياكل المادّية والصور الحيوانية أو الجمادية هي ذات الآلهة التي تأله إليها النفوس ، وتضطرّ إلى الإذعان بها العقول ، وتنقاد قسراً إلى عرفانها والاعتراف بها الفِطر .
لا تجد من يزعم أنّ تلك الأوثان والتماثيل التي يصنعونها ثمّ يعكفون عليها هي الصانعة المدبّرة والخالقة الموجدة والعلّة الأُولى والأزلية القديمة .
وإنّما اتّخذتها البشر واسطة ، وجعلتها وسيلة ، ونصبتها مظاهر وتماثيل ، تتطلّب بها الزلفى ، وتلتمس منها الشفاعة ، وتستدرّ بها أنواء المفازة وأنوار الرحمة وحظوظ القربى والكرامة :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
« 1 » .
والغرض أنّ الوثنيّين والثنويّين والبراهمة والصابئة والمجوس والبوذة وكلّ عبدة المظاهر المحسوسة والمدهشات الكونية ما عبدت سوى اللَّه ، ولا قصدت إلّاإليه ، ولا حنّت وولهت إلى غيره ، ولكن تاهت في سبيله وعشت في طريقه ، وما ضلّت فيه ، ولكن فيما يقرّبها إليه ويستدنيها منه :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الزمر 39 : 3 .
( 2 ) سورة العنكبوت 29 : 61 ، وسورة لقمان 31 : 25 ، وسورة الزمر 39 : 38 .