على اليقين يهجسون بها في ضمائرهم ، ويجدونها - قبل كلّ شيء - في وجدانهم ، ويحسّون على الفطرة كغيرهم أنّ لهم صانعاً حكيماً وموجداً مدبّراً ، ولكن نزوعاً إلى الشهوات واندفاعاً إلى الحرّية المطلقة والإباحة العامّة والتخلّي عن كلّ قيد أنكروه بعد عرفانهم وجحدوه وهو ملءُ وجدانهم .
وكان من عظيم العناية وواسع الحكمة وجود مثل أُولئك النوابغ في الإلحاد وجراثيم الفساد وسفلة العباد ، فهم من الشرّ القليل الذي يترتّب عليه خير كثير !
وأيّ خير أكثر من أن تتجلّى باحتكاكهم أشعّة الدين ، وترسخ أُصوله في نفوس المعتقدين ، وتظهر أدلّته وبراهينه على صفحات الصحف ، كما ظهرت واستنارت على صفحات الكون ؟ !
قيّضت العناية أن يقوم في كلّ عصر شذّاذ من دعّارة البشر ودعاة الشرّ وحملة عرش الضلال والباطل ، فتنابذ تلك الحقيقة الراهنة ، وتسعى جهدها في تشويش النظام وإفساد العقائد واختلاس الصحّة الدينية من النفوس المستقيمة بإلقاء الشكوك والأوهام وتبديل الاستقامة الفطرية بالاعوجاج والانحراف عن لاحب المحجّة وواضح الحجّة .
ولكن أبت نواميس العناية إلّاأن تجري على مجاريها وتسير على مناهجها ، فلا يصحّ إلّاالصحيح ، ولا يحقّ إلّاالحقّ :
« وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ »
« 1 » ،
« فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة فاطر 35 : 43 .
( 2 ) سورة الرعد 13 : 17 .