الحكمة إن كانت تلك هي الحكمة والفلسفة !
والغرض أن ليس في زخرف تلك الأباطيل ما يستحقّ أن يطلق عليه اسم الحجّة أو الدليل حتّى نصرف إليه العناية أو نستوقف عليه البحث والنظر .
نعم ، إنّ عويصة وقوع الشرور في العالم قد ينقدح منها شرر الشكّ في أنفس الضعفاء والقاصرين من الموحّدين ، أو يفزع إلى التشبّث في الاستناد إليها بعض الملحدين ، فيتوهّم واهم أو يزعم زاعم أنّ تلك الشرور تنبئ عن عدم مدبّر حكيم للعالم ، وأنّ الأمر في الكون على فوضى الطبيعة وصدف المادّة . .
فإنّ من يسبر أحوال الأُمم الغابرة والحاضرة ، بل من يرنو إليهم بمُوق عينه ، يجدهم بصفة دائمة ينصبّ عليهم من مارج المصائب والنكبات والمظالم والتعدّيات والشرور والآثام وسفك الدماء وهتك الأعراض لأجل طفيف من الغايات والأغراض ما يودّ الإنسان - من هول تلك المناظر الفظيعة والتصوّرات الهائلة - أن ليت العالم لا كان ولم يكن !
فأيّ عناية في هذا العالم الذي كلّما توسّع أهلوه في ما يسمّونه : ( بالمدنية ) ازدادوا في العِداء والهمجية حتّى على النفوس البرية من أبناء جنسهم ؟ !
وبالجملة : فشرور هذا الكون وشقاؤه وما فيه أهلوه من البلاء الواقع منهم عليهم ، فضلًا عمّا ينزل بهم من غيرهم من الأوجاع والأسقام والمحن والفقر وضروب الرزايا ، كلّ ذلك ممّا يبعث الحيرة ويقضي بالعجب ، ويكاد المتفكّر في هذه العويصة المظلمة أن يخرج من إهابه ، ويستيقن أنّ الأمر على حال من الفوضى وعدم التدبير لا يمكن أن تصفها يراعة البليغ ولا آلة التصوير ، فإن كان الإله الذي يدين به الملايين من الملّيين يعلم ويرى ما فيه العالم من ذلك الهرج والمرج وما ارتطم عليه من الشرور والبليّات ، فإمّا أن يكون غير قادر على
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 219
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٢١٩