والمُدرَك - حتّى فيما هو المحسوس بالحواسّ الظاهرة من الألوان والطعوم والأشكال والأصوات وغيرها - ما هو إلّاالنفس ، كما رمز إلى ذلك أساطين الحكمة وكبراء العلم والمعرفة والواصلون إلى مراتب النهايات البشرية « 1 » .
وقلّ من اهتدى إلى هذا الرمز أو تعمّق في غوره ، وسنشير إليه في مواضع من دعوتنا هذه .
ولعلّك يكبر في نفسك هذا القول ، وتعظم عندك هذه الدعوى .
وحقّاً لك ذلك ، وأنت تحسب أنّك لا تسمع ولا ترى حفافيك وحواليك سوى المادّة ، وزاد على ذلك أنّ المادّيين قد أشربوا ذهنك أن لا وجود لغيرها وأنّ كلّ شيء خلافها فهو وهم باطل .
ولكن أمهلني رويداً ريثما نبلغ إلى الميعاد بيني وبينك من مباحث المعاد إن شاء اللَّه ، فعسى يتطامن هناك تعاظمك ويسلس جماحك وتلين شدّتك ، فانتظر ذلك ، وما ثقتي واعتمادي إلّاعلى من منه مبدأي وإليه معادي .
[ الأمر الثاني : في شبهة وقوع الشرور في العالم ، والجواب عنها ]
الثاني : أنّ تلك الطينة السوداء وأُلعوبة شياطين الأهواء التي سفهت أحلامها وخسرت عقولها وأنكرت صانعها قد عرفت أنّ مزاعمها تلك هوسات خالية ووساوس فارغة ، ما تفيّأت ظلّ حجّة ، ولا آوت إلى شبح برهان ، وما سلكت مسلكاً علميّاً حتّى يهون على أهل العلم الجولان معهم في رهان البحث ومجالدة الجدال ، سوى أنّهم باهتوا تلك الحقائق الجلية الراهنة بدعاوى ظنّية
هامش
( 1 ) راجع على سبيل المثال الحكمة المتعالية 8 : 55 و 67 و 221 .