والشمبانزي ! ( كما يزعمون هم عن أنفسهم ) ، وامتهنتك الصروف والمحن بالخصام معه وتسجيل الحجّة عليه في صحّة مبدئك ، فسله سؤالًا لا تجد أنت ولا هو أبسط منه ، وقل له :
يا هذا ، أتفرّق بين الوجود والعدم وتميّز بين الموجود والمعدوم ، أم لا ميزة بينهما عندك ولا مغايرة فيهما لديك ؟
فإن قال : نعم ، الفرق جلي بينهما والتغاير بديهي فيهما ، وكيف يغيب على الإنسان ما لا يغيب عن أخسّ الحيوانات بتمام أنواعها وأصنافها ؟ !
فقل له : هذه الأشياء الكونية التي تمسّها يدك وتبصرها عينك من قريب وبعيد وحادث وتليد وكلّ ما تحسّ به عيناً أو ذهناً ، هل هي موجودة ، أو معدومة ؟
لا محالة هي موجودة .
فهل هي نفس حقيقة الوجود وعين ذاته ، أو حقائق مختلفة الذوات والوجود أمر وراء حقيقتها ، وهو وصف طارٍ عليها مشترك بينها ؟
لا محالة أنّها ليست نفس حقيقة الوجود ، وإلّا لكانت جميع الموجودات حقيقة واحدة ذات أثر واحد وخواصٍّ متّفقة ، وهو خلاف المحسوس بالضرورة ، فهي إذاً سوى حقيقة الوجود ، ولكنّها متّصفة به ثابتة بثبوته ، وهو في نفس ذاته زائد عليها عارض لها .
وعليه ، فمن أين عرضت لها هذه الصفة ؟ ومن ذا الذي أفاض عليها تلك الصبغة ؟ من ذا أوجد هاتيك الحقائق ؟ أهي أنفسها أوجدت أنفسها ؟ فيكون المعدوم قد أوجد نفسه حين لا حظّ له من الوجود ، أم المادّة أوجدتها ؟
والسؤال بعينه جارٍ فيها : أهي نفس الوجود ، أم شيء موجود ؟
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 209
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٢٠٩