هذا الهيكل الإنساني إذا تعلّقت به تلك الذبالة الإلهية استحال إغواؤه بالباطل وإقناعه بالتمويهات دون الحقيقة ، وإنّما استغوت شياطينكم البسطاء وضعفاء العقول ممّن لم تكمل بعدُ فيه تلك الغريزة ولا تحيّزت إلى كمال الاستقلال به تلك النحيزة « 1 » ، فاختطفتهم أوهامكم وعلقت بهم حبائلكم ، فأرديتموهم كما تردّيتم وأسقطتموهم إلى حيث سقطتم !
فوا حسرةً على العباد الذين أغويتموهم ! بل وا حسرةً عليكم أيّها الماديّون والدارونيّون ! يا حسرة على شريف نسب أضعتموه ورفيع أصل وضعتموه ، فجعلتم بينكم وبين القردة نسباً ، وألّفتم بين الكلاب والشمبانزي وأُخوتها وبينكم رحماً أو آصر قربى ووشائج أرحام مع أخسّ الوحوش وأسفل الهوام !
اخسأ لها من نفوس سافلة ، وأبخس فيها من همم ساقطة ، أسفت أن لا تشارك البهائم في انتكاس رؤوسها ومحدودية عقولها ونفوسها ، فألحقت آباءها بتلك السلائل وتقرّبت إليها بأخسّ الوسائل !
نعم ، وما هي - لولا الأشكال والصور - منها ببعيد .
جنّب - يا هذا - ريشة يراعك النقية عن هذه الأوحال ، ونزّه أطلس طرسك الأغرّ عن هاتيك المقاذير ، فليست العناية مصروفة إلى تصفية ذلك التعكير ولا الرغبة مسوقة إلى إبانة الكدر فيها من النمير . وإنّما الغرض الوحيد هنا هو إثبات تلك القوّة المقدّسة عن لوثة المادّة وتراكيب الطبيعة وخسّة النقص والحاجة وسِفلة الخلق والإمكان .
هامش
( 1 ) النحيزة : الطبيعة . ( لسان العرب 14 : 70 ) .