إنّ تلك البرهنة التي تقدّمت من كثب آخذة من الحقيقة بكلّ سبب ونسب ، تلك وإن كانت محكمة الأُصول وطيدة المباني سامقة « 1 » المعاني مدرّعة بكلّ منعة وحصانة عن كلّ نقض وخلل ، لكن ربّما لا تروق للطبيعي ، فلا يصغي لها أُذناً ولا يفتح إليها من البصيرة - لو كانت له - عيناً ، وذلك لابتنائها على بعض مصطلحات الفلسفة الإلهية ، وهو يعدّ ويفترض الإلهيات وجميع مصطلحاتها أوهاماً في أوهام .
على أن ليس في برهنتنا تلك ممّا يظنّ أنّه من ذلك القبيل سوى لفظي الممكن والواجب ، وهي حقائق راهنة ومفاهيم عامّة ومعانٍ في ذاتها متأصّلة ، لا علاقة لها باصطلاح قوم دون قوم ، ولا تبتني على تواضع طائفة دون طائفة ، بل هي كالألفاظ التي تدلّ على سائر الحقائق .
ومداليل الواجب والممكن المقصودة في الأقيسة والبراهين هي معانيها الذاتية الجلية لدى كلّ متصوّر ، ولا سيّما بعد أدنى بيان ؛ إذ هي بمكان من البساطة والتباعد عن الغموض والتقعير .
[ أبسط وأوضح برهان على إثبات الصانع الحكيم ]
بيد أنّنا تجافياً عن تلك المزعمة وحذراً من التشبّث بهذه التعلّة الواهية نسدّد له برهنة لا تبتني على شيء من ذلك ، وندمغه بحجّة لو أنّ الثقلين - لا قدّر اللَّه - أصبحوا مادّيين ودراونة وتألّبوا بالمظاهرة والمعاونة على أن يلتمسوا له حلّاً أو يهدموا منه أصلًا أو يسدّوا له باباً أو يجدوا عنده آخر الأمر سوى
هامش
( 1 ) سمق : علا وطال . ( صحاح اللغة 4 : 1498 ) .