المادّة منفكّة عن الافتقار والحاجة ؟ ! ما بالها لا توجد من سنخها قوّة مجرّدة ، ولا تؤثّر أثراً منفرداً منفكّاً عن الطبيعة ، كما يقوله الإلهيون المتمسّكون بالمجرّدات عن المادّيات التي هي من فيض تلك القوّة التي يدينون بها ويألهون إليها ، ويرون - وحقّاً ما يرون - أنّ جميع العوالم ( عوالم الغيب والشهادة ) كلّها رشحة من رشحاتها ونفحة من نفحاتها ولمحة من قبساتها « 1 » ؟ !
وإن كان الحال على العكس من ذلك ، بأن كان كلٌّ من المادّة والقوّة محتاجاً في وجوده وتأثيره إلى الآخر منوطاً به مفتقراً إليه فهما - لا محالة - ممكنان ؛ إذ كلّ محتاج ممكن ، وكلّ ممكن محتاج في حدوث وجوده وبقائه إلى علّة ، كاحتياجه إليها في ربطه بمثله وتركيبه مع غيره ، وتلك العلّة إمّا هي نفس المادّة والقوّة لولا أنّ المعدوم لا يؤثّر شيئاً لا في نفسه ولا في غيره ، فكيف يؤثّر في إيجاد ذاته ؟ ! فلا محالة علّتهما سواهما لا أنفسهما .
والكلام في تلك العلّة جارٍ بمثل ما ذكرناه فيهما ، فإمّا أن ينتهي الأمر إلى قوّة مجرّدة قائمة بنفسها غنية بذاتها قيّومة على كلّ شيء ، وعند ذا يسكن الجأش وتطمأنّ النفس ويرتاح العقل من عناء السؤال وتعب الطلب ، أو لا .
وعليه ، فيبقى السؤال متسلسلًا والطلب متتابعاً والعقل حيراناً مدلّهاً ، أو يضغط المادّيون عليه ويأخذون منه بالمخنق قائلين له : اقتنع بالمادّة وتعبّد بهذه الغاية واخضع لهذه الآلهة طوعاً أو كرهاً ، فإنّها هي التي جعلتك إنساناً وسوّتك رجلًا !
لا يا هؤلاء ، كلّ شيء يمكن الضغط عليه ولا يتعذّر خنقه ، إلّاالعقول ، فإنّ
هامش
( 1 ) لاحظ : غنية النزوع 2 : 24 و 27 ، شرح القاساني على فصوص الحكم 169 - 170 ، إرشاد الطالبين 155 ، القبسات 24 و 127 .