هامش
قالوا : وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة الّتي تتغَشّاه ، لقوله تعالى :« فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ »، ويكون استغفاره صلى الله عليه وسلم عندها إظهاراً للعبوديّة والافتقار .
وقال ابن عطا : استغفاره وفعله هذا تعريف للأمّة بحملهم على الاستغفار .
وقال غيره : ويستشعرون الحذر ، ولا يركنون إلى الأمن .
وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالةَ خشيةٍ وإعظام تغشّى قلبه ، فيستغفر حينئذ شكراً للَّه ، وملازمة لعبوديّته ، كما قال في ملازمة العبادة : « أفلا أكون عبداً شكوراً » .
وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما روي في بعض طرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : « إنّه ليغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرّة ، فأستغفر اللَّه » .
قال العلّامة المجلسي رحمه الله بعد نقل هذه الفائدة : بيان : « عقم » في بعض ما عندنا من كتب اللغة جاء لازماً ومتعدّياً ، قال الفيروزآبادي : عقم كفرح ونصر وكرم وعنى ، وعقمها اللَّه يعقمها وأعقمها انتهى . وما ذكره رحمه الله وجه حسن في تأويل ما نسبوا إلى أنفسهم المقدّسة من الذنب والخطأ والعصيان ، وسيأتي تمام القول في ذلك . ( البحار : 25 : 205 )
وقال في موضع آخر : تذنيب : اعلم أنّ الإماميّة رضي اللَّه عنهم اتّفقوا على عصمة الأئمّة عليهم السلام من الذنوب صغيراً وكبيراً ، فلا يقع منهم ذنب أصلًا لاعمداً ولا نسياناً ، ولا لخطأ في التأويل ، ولا للاسهاء من اللَّه سبحانه ، ولم يخالف فيه إلّا الصدوق محمّد بن بابويه وشيخه ابن الوليد رحمة اللَّه عليهما ، فإنّهما جوّزا الإسهاء من اللَّه تعالى لمصلحة في غير ما يتعلّق بالتبليغ وبيان الأحكام ، لا السهو الّذي يكون من الشيطان ، وقد مرّت الأخبار والأدلّة الدالّة عليها في المجلّد السادس والخامس ، وأكثر أبواب هذا المجلّد مشحونة بما يدلّ عليها ، فأمّا ما يوهم خلاف ذلك من الأخبار والأدعية فهي مأوّلة بوجوه :
الأوّل : إنّ ترك المستحبّ وفعل المكروه قد يسمّى ذنباً وعصياناً ، بل ارتكاب بعض المباحات أيضاً بالنسبة إلى رفعة شأنهم وجلالتهم ربما عبّروا عنه بالذنب ، لانحطاط ذلك عن سائر أحوالهم ، كما مرّت الإشارة إليه في كلام الإربلي رحمه الله .
الثاني : إنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات الّتي أمروا بها من معاشرة الخلق وتكميلهم وهدايتهم ، ورجوعهم عنها إلى مقام القرب والوصال ومناجاة ذي الجلال ، ربما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى مقصّرين ، فيتضرّعون لذلك وإن كان بأمره تعالى ، كما أنّ أحداً من ملوك الدنيا إذا بعث واحداً من مقرّبي حضرته إلى خدمة من خدماته الّتي يحرم بها من مجلس الحضور والوصال فهو بعد رجوعه يبكي ويتضرّع