هامش
وغيره . قال في النهاية : فيه : « إنّه ليغان على قلبي حتّى أستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرّة » الغين : الغيم ، وغينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم ، وقيل : الغين : شجر ملتفّ أراد ما يغشاه من السهو الّذي لا يخلو منه البشر ، لأنّ قلبه أبداً كان مشغولًا باللَّه تعالى ، فإن عرض له وقتاً مّا عارض بشريّ يشغله عن أمور الأمّة والملّة ومصالحهما عدّ ذلك تقصيراً وذنباً ، فيفزع إلى الاستغفار .
قال القاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 2 : 710 - 714 : فإن قيل : فما معنى قوله : « إنّه ليغان على قلبي ، فأستغفر اللَّه في كلّ يوم مئة مرّة » ، وفي طريق : « في اليوم أكثر من سبعين مرّة » ؟
فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغَين وَسوسة أو رَيناً وقع في قلبه عليه السلام ، بل أصل الغَين في هذا ما يتغشّى القلب ويُغطّيه ، قاله أبو عبيد ، وأصله من غَين السماء ، وهو إطباق الغَيم عليها ، وقال غيره : والغَين : شيء يُغَشّى القلب ولا يُغطّيه كلّ التغطية ، كالغيم الرقيق الّذي يَعرِض في الهواء ، فلا يمنع ضوء الشمس ، وكذلك لا يفهم من الحديث أنّه يُغان على قَلبه مئة مرّة أو أكثر من سبعين مرّة في اليوم ، إذ ليس يقتضيه لفظه الّذي ذكرناه ، وهو أكثر الروايات ، وإنّما هذا عدد للاستغفار لا للغَين ، فيكون المراد بهذا الغَين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه ، وسهوها عن مداومة الذّكر ومشاهدة الحقّ بما كان صلى الله عليه وسلم دُفِع إليه من مُقاساة البشر ، وسياسة الأمّة ، ومعاناة الأهل ، ومقاومة الوليّ والعدوّ ، ومصلحة النفس ، وكُلِّفه من أعباء أداء الرسالة ، وحَمل الأمانة ، وهو في كلّ هذا في طاعة ربّه وعبادة خالقه ، ولكن لمّا كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند اللَّه مكانةً ، وأعلاهم درجةً ، وأتمّهم به معرفةً ، وكانت حاله عند خلوص قلبه ، وخلوّ همّته ، وتفرّده بربّه ، وإقباله بكلّيته عليه ، ومقامه هنالك أرفع حالَيه ، رأى صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها ، وشغله بسواها غَضّاً مِن علِيّ حاله ، وخفضاً من رفيع مقامه ، فاستغفر اللَّه من ذلك ، وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها .
وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من النّاس ، وحام حَوله ، فقارِب ولم يَرِد ، وقد قرّبنا غامِض معناه ، وكشفنا للمستفيد مُحيّاه ، وهو مبنيّ على جواز الفترات والغفلات ، والسهو في غير طريق البلاغ ، كما سيأتي .
وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوّفة ، ممّن قال بتنزيه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذا جملة ، وأجلّه أن يجوز عليه في حال سهوٌ أو فترةٌ ، إلى أنّ معنى الحديث : ما يُهِمُّ خاطره ، ويغمّ فكره من أمر أمّته صلى الله عليه وسلم ، لاهتمامه بهم ، وكثرة شفقته عليهم ، فيستغفر لهم .