الثامن : في ذكر شيء من كلامه
قال كمال الدينرحمه الله تعالى : كانت الفصاحةُ لديه خاضعةٌ ، والبلاغة لأمره سامعة طائعة ، وقد تقدّم آنفاً من نثره في الفصل السادس في ذلك المقام الّذي لاتفوه فيه الأفواه من الفرق ، ولا تنطق الألسنة من الوَجَل والقَلَق ، ما فيه حجّة بالغة على أنّه في ذلك الوقت أفصح من نطق ، وأمّا نظمه فيعدّ من الكلام جوهر عِقد منظوم ومُشهَّرَ بُرد مَرقوم .
فمنه قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح وأنّه ( عليه السلام ) لمّا أحاط به جموع ابن زياد وقتلوا من قتلوا من أصحابه ، ومنعوهم الماء كان له ( عليه السلام ) ولد صغير [ يقال له عليّ في الرضاع ، فتقدم إلى باب الخيمة فقال : « ناولوني ذلك الطفل حتّى أودعه » . فناولوه الصبي فجعل يقبّله وهو يقول : « يا بُنيّ ، ويل لهؤلاء القوم إذ كان غداً خصمهم جدّك محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ] فجاءه سهم منهم [ حتّى وقع في لُبّة الصبيّ ] فقتله ، فرمّله « 1 » الحسين ( عليه السلام ) وحفر له بسيفه وصلّى عليه ودفنه وقال :
غدر « 2 » القومُ وقِدماً رَغِبوا * عن ثواب الله ربّ الثقلين
قتلوا قِدماً عليّاً وابنَه * حسنَ الخَير كريمَ الأبوين
حَسَداً « 3 » منهم وقالوا أجمِعوا * نَفتُك « 4 » الآن جميعاً للحسين « 5 »
يا لَقَوم لأُناس رُذَّل * جمعوا الجمع لأهل الحرمين
ثمّ ساروا وتواصوا كلّهم * لاجتياحي « 6 » للرضا بالملحدين
لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيد الله نسل الفاجرين « 7 »
وابنُ سعد قد رماني عنوةً * بجنود « 8 » كوُكوف الهاطِلَين
هامش
( 1 ) رمّله : لطّخه بالدم .
( 2 ) في الفتوح : « كفر » .
( 3 ) في المصدر : « حنقاً » .
( 4 ) ق ، م ، ك والفتوح : « نقتل » .
( 5 ) ن ، خ ، م والمصدر : « بالحسين » .
( 6 ) في المصدر : « باجتياحي » ، وفي الفتوح : « باحتياجي » .
( 7 ) ن والفتوح : الكافرين .
( 8 ) ق : بحقود . .