وكيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة « 1 » في مواطن النزال ؟ وكيف لايَسمَح بالعاجل مَن همُّه « 2 » في الآجل ؟ ولا ريب عند العقلاء أنّ من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود ، ومن زهد في الحياة المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد ، وقد عرفت زهدهم فاعرف به رِفدَهم ، فإنّ الزاهد من زهد في حطامها ، وخاف من آثامها ، ورغب عن حلالها وحرامها ، ولعلّك سمعت بما أتي في ( هَل أتى ) من إيثارهم على أنفسهم ، أليسوا ( هم ) « 3 » الّذين أطعموا الطعام على حبّه ورغب كلّ واحد منهم في الطَوى « 4 » لإرضاء ربّه ، وعرَّضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع ، وأسهروا تلك العيون الشريفة من الخَوى « 5 » ، فلمتذق حلاوة الهُجوع ، وجعلوها لما وجدوه من الرقّة على المسكين واليتيم والأسير غَرْقَى من الدموع ، وتكرّر عليهم أَلَمُ فَقدِ الغَذاء غدوّاً وبكوراً ، وأضرم السَغَب « 6 » في قلوب أهل الجنّة سعيراً ، وآمنوا حين قالوا : ( إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوماً عَبُوساً قَمطَرِيراً « 7 » * فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُم نَضْرَةً وسُرُوراً ) « 8 » ، وشكرهم مَن أنعموا عليه فقالوا : ( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لَوَجْهِ اللهِ لانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءاً وَلا شُكُوراً ) « 9 » .
والحسين ( عليه السلام ) وإن كان فرعاً للنبيّ وعليّ وفاطمّة ( عليهم السلام ) ، فهو أصل لولده من بعده ، وكلّهم أجواد كرام .
كرموا وجاد قبيلهم من قبلهم * وبنوهم من بعدهم كُرَماءُ
فالنّاس أرض في السماحة والنَدى * وهم إذا عُدّ الكرام سماءُ
لو أُنصفوا كانوا لآدم وحدهم * وتفرّدت بولادهم حَوّاءُ
وقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وقد جاءته أمّ هانئ يوم الفتح تشكو أخاها
هامش
( 1 ) خ : الشريفة .
( 2 ) في ن : « همّته » .
( 3 ) من ن ، خ .
( 4 ) الطَوى : الجوع . ( الكفعمي ) .
( 5 ) الخَوى : خلوّ الجوف . ( الكفعمي ) .
( 6 ) السَغَب : الجوع . ( الكفعمي ) .
( 7 ) قمطريراً : شديداً . ( الكفعمي ) .
( 8 ) الإنسان : 76 : 10 - 11 .
( 9 ) الإنسان : 76 : 9 . .