قلت : شجاعة الحسين ( عليه السلام ) يضرب بها المثل ، وصبره في ماقِط الحرب أعجز الأواخر والأُوَل ، وثباته إذا دعِيت نزالِ « 1 » ثباتُ الجبل ، وإقدامُه إذا ضاق المجالُ إقدام الأجل ، ومقامه في مقاتلة « 2 » هؤلاة الفجرة عادل مقام جدّه صلوات الله عليه ببدر فاعتدل ، وصبره على كثرة أعدائه وقلّة أنصاره صبر أبيه ( عليه السلام ) في صفّين والجمل ، ومشرب العداوة واحد ، فبفعل الأوّل فَعَل الآخر ما فعل ، فكم من فارس مدلّ ببأسه جدّله ( عليه السلام ) فانجدل ، وكم من بطل طُلّ دمُه فبطل ، وكم حُكِّم سيفُه فحكم في الهوادي « 3 » والقلل ، فما لاقى شجاعاً إلّا وكان لأمّه الهبَل « 4 » ، وحشرهم الله وجازى كلّا بما قدّم من العمل ، وإذا علمت أنّ شعار الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه « أُعلُ يا حقّ » ، وشعار أعدائه « أُعلُ هُبَلُ » علمت أنّ هؤلاء في نعيم « 5 » لا يزول ، وأولئك في شقاء « 6 » لميزل ، وكما قتل أبوه وانتقل إلى جوار ربّه قتِل هو وانتقل ، وكان له عند الله مرتبةٌ لاتُنال إلّا بالشهادة ، فتمّ له ما أراد وكمل ، وباء قاتلوه بنار الله المؤصَدة « 7 » في الآخرة ، ولا يهدي الله من أضلّ ، وما سلموا من آفات الدنيا بل عُجِّلت لهم العقوبة فعَمَّت من رضي ومن خذل ومن قتل ، فتبّاً لآرائهم الفائلة « 8 » وعقولهم الذاهلة ، فلقد أعماهم القضاء إذ نزل ، وختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فما منهم إلّا من جار عن الصواب وعدل ، فما أنصف ولا عدل ، وضلّوا عن الحقّ فما لهم فيه قول ولا عمل ، وقبحاً وشُقحاً « 9 » لتلك
هامش
( 1 ) نَزالِ من أسماء الحرب ، وهي مبنيّة على الكسر ، وهي بمعنى الأمر ، كقولك : « نزال » بمعنى أنزل ، بمثل دراك بمعنى أدرك . ( الكفعمي ) .
( 2 ) ن ، خ : « مقابلة » .
( 3 ) الهوادي : أي الأعناق . ( الكفعمي ) .
( 4 ) الهبَل : الثكل . ( الكفعمي ) .
( 5 ) في ن : « في ملك » .
( 6 ) ق : « شقاق » .
( 7 ) المؤصدة : أي المطبقة . ( الكفعمي ) .
( 8 ) الفائلة : أي الضعيفة ، ورجل فال الرأي وفائل الرأي : أي ضعيف الرأي ، قاله الجوهري . ( الكفعمي ) .
( 9 ) في القاموس : « قبحاً له وشقحا » : اتباع أو بمعنى ويُفتحان . وفي ك ، م : « سُحقاً » ، أي بُعداً . ( الكفعمي ) . .