صدق عبدالمطّلب في قوله : إنّهم يعبدون اللّه .
أمّا انّه لم يزل للّه فيهم حجّة : فإمّا أن يكون اللّه ربّ العالمين قد ترك مجاوري بيته في مكة والتي يسميها امّ القُرى ، ترك من يسكن في أم القرى وما حولها ، وترك الوافدين من انحاء الجزيرة العربية لحج بيته الحرام ، تركهم جميعا أكثر من خمسمائة سنة هملًا ولم يجعل في ما بينهم من يجدون عنده شريعة الاسلام ، حاشا للّه ربّ العالمين من ذلك كما شرحنا ذلك في بحوث الربوبية في ما سبق من هذا الكتاب ؛ وإمّا أن يكون اللّه ربّ العالمين لم يترك الأجيال المتعاقبة في أكثر من خمسمائة سنة في امّ القُرى وما حولها هملًا بل جعل بينهم من إذا أراد أحدهم أن يتعلّم منه أحكام دينه استطاع ، مصداقا لقوله تعالى : ( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنَا ) إذا كان اللّه قد جعل في أولئكم البشر من يُتمّ بهم الحجّة على أولئكم الأجيال ، فمن يكون ذلك الهادي إلى دين اللّه غير عبدالمطّلب وسلسلة آبائه إلى عهد إبراهيم ( ع ) ؟ إي وربّي ربّ العالمين ، جعل فيهم من ذرّيّة إبراهيم حججا للّه أتمّ بهم الحجّة على عباده أولئكم ودفع اللّه بهم النقم عنهم ، وصدق عبدالمطّلب في قوله :
نحن آل اللّه في ما قد مضى * لم يزل ذاك على عهد ابرهم
لم تزل للّه فينا حجّة * يدفع اللّه بها عنّا النقم
وفي أسلوب عبدالمطّلب في ما أنشده من شعر ، وخاصّة في هذه الأبيات التي أنشدها في مقام المباهاة على خصمه الهالك إبرهة وجيشه ما تميّز به من فضائل ومكارم ، عمّا كان دأب شعر العرب في الغابر والحاضر فلم يفتخر بأبيه هاشم وما قام به من إطعام عامّة أهل مكّة في سنة القحط بما حمّل جماله من الطعام من الشام بدل تحميله إيّاها المال الذي يتاجر به ، ونحر تلك الجمال ؛