عيسى ( ع ) بدل إنشائه من أُنثى الطير بعد اللِّقاح من الطير الذكر وفقا للنظام الطبيعي الذي جعله في تسلسل خلق ذوات الأرواح .
ومعاجز الأنبياء - كما ذكرنا - خرقٌ للنظام الطبيعي وليست طيّا لمراحل انتقال المادة من حال إلى حال وصورة بعد صورة حتى تستقرَّ في الصورة الأخيرة ، أي ان خلق الطير من الطين يتحقق ضمن سلسلة مراحل يكون قريبا من سير النور ، يطويها اللّه لنبيّه بأسرع من زمانه الطبيعي وتدرُّجه في الانتقال كما يفهم ذلك من كلام بعض فلاسفة المسلمين .
وليست المعجزة سحرا فإنّ السحر ضرب من التخييل لا حقيقة له ، والساحر - مثلا - عندما يُري أنّه ابتلع طيرا أو دخل في فم الناقة وخرج من دبرها ، أو هشَّم أوانَي زجاجيةً ثمّ أعاد كل شيء كما كان ، لم يفعل أيَّ شيء من ذلك ، وإنّما سحر أعين الرائين فتخيّلوا ذلك ، ولّما انتهى مفعول السحر رأى الحاضرون كل شيء كما كان دونما تغيير أو تبديل .
والمعجزة تغيير حقيقي للنظام الطبيعي مثل ابتلاع عصا موسى ( ع ) - التي أصبحت ثعبانا عظيما - جميع ما ألقى السحرة في الساحة الكبيرة ، ولمّا عاد الثعبان في يد موسى ( ع ) إلى العصا لم يبق أثر لما كان قد ألقى السحرة في تلك الساحة ، ومن ثمّ أُلقِيَ السحرة ساجدين ، وقالوا : آمنّا برَبِّ العالمين ربِّ موسى وهارون ؛ لانّهم كانوا متخصِّصين في أمر السحر ، وأدركوا أنّ عمل موسى ( ص ) ليس بسحر وإنّما هو آية من آيات الربِّ تعالى .
وكذلك لا تأتي المعجزة في الامر المحال وما يُسَّمى في علم المنطق باجتماع النقيضين مثل أن يكون الشيء في زمان واحد ومكان واحد موجودا وغير موجود .
وحقيقة معجزات الأنبياء آيات يجريها اللّهُ الربُّ على أيديهم ، لا يستطيع الانس والجنُّ أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . فإنّ في الجنّ مثلا من يستطيع أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى سليمان قبل أن يقوم من مقامه ، لانّ
عقائد الإسلام من القرآن الكريم — صفحة 210
مساهمون: السيد مرتضى العسكري
ص٢١٠