تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

في حقيقة الإيمان

الإيمان - في حقيقته - هو الإيقان عن عقد قلب ، بحيث أوجب ارتياح النفس إليه والاطمئنان به عن صدق وإخلاص ، وباعثا مباشرا على العمل بمقتضاه عن جدّ واجتهاد ، من غير حاجة إلى بعث خارجيّ أو زاجر من خارج النفس . كمن أيقن بحضور محبوبه أو ضالّته المنشودة لدى الباب ، فيعمد لفوره لمقابلته برحابة من الصدر ، والتماس أعتابه بكلّ خضوع وإجلال ، من غير حاجة إلى بعث من خارج نفسه . وهكذا من أيقن بوجود عدوّ ضارّ قد كمن له في الطريق ، فيحاول لحينه الفرار أو مقابلته بما يطمئنّ بالغلبة عليه . هذا هو الإيمان الصادق والإيقان عن إخلاص . ومن ثمّ فيكون الإيمان بذاته باعثا مباشرا على العمل ، ويكون العمل الجادّ ، كاشفا حقّا عن محض الإيمان ، لا أنّه هو ولا كونه جزءا من ماهيّته وحقيقته ، بل لازمه المباشر الكاشف عنه . فما ورد من أنّ الإيمان هو الاعتقاد بالجنان والعمل بالأركان والقول باللسان ، فهو بيان لأسّ الإيمان مع الكاشف عنه ، حسب المتعارف المعهود . وما ورد من استعمال اللفظة في القرآن ، يدلّ على هذا التفكيك ، وأنّ العمل لازم الإيمان ومنبعث عنه وليس متّحدا معه لا مفهوما ولا مصداقا . وفي كثير من الآيات جاء الحثّ على الإيمان والعمل الصالح توأمين :
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً
« 1 » . وأنّ الإيمان بلا عمل ،
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
« 2 » . لأنّ العمل أثر ملازم للإيمان ، وإذا فقد الأثر ، كان دليلا على فقدان صاحب الأثر . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
« 3 » يعني : إن صحّ أنّكم آمنتم ، فليكن دليلا على صدق الإيمان ، هو استجابة الرسول فيما يدعوكم إليه ، من العمل بمقتضى الإيمان . وهكذا قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
« 4 » ، أي يا أيّها الّذين آمنوا بإظهار الشهادتين ، فليكن إظهاركم هذا نابعا عن عقد قلب باعث على العمل بمقتضاه .
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 69 . ( 2 ) النور 24 : 39 . ( 3 ) الأنفال 8 : 24 . ( 4 ) النساء 4 : 136 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 69 | الشيخ محمد هادي معرفة