* * * وهكذا نجد كبار الصحابة والتابعين ومن ورائهم الفقهاء ، لم يأبهوا بنهي عمر عن متعة الحجّ ، مع تصريحه بالمنع وإردافه لها مع متعة النساء . وما ذلك إلّا من جهة عدم اعتبار أيّ اجتهاد في مقابلة نصّ الشريعة .
هذا ابن عمر نراه كما لم يكترث بنهي أبيه عن متعة النساء ، كذلك لم يكترث بنهيه عن متعة الحجّ :
روى الترمذيّ بإسناده إلى ابن شهاب أنّ سالما حدّثه أنّه سمع رجلًا من أهل الشام ، وهو يسأل عبد اللّه بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال عبد اللّه : هي حلال . فقال الشاميّ : إنّ أباك قد نهى عنها ! فقال عبد اللّه : أرأيت إن كان أبي نهى عنها ، وصنعها رسول اللّه ، أأمر أبي نتّبع ، أم أمر رسول اللّه ؟ فقال الرجل : بل أمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : لقد صنعها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 1 » .
وكذلك روى ابن إسحاق عن الزهريّ عن سالم ، قال : إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد ؛ إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال ابن عمر :
حسن جميل . قال : فإنّ أباك كان ينهى عنها ! فقال : ويلك ، فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به ، أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول اللّه ؟ قم عنّي . قال القرطبيّ :
أخرجه الدار قطنيّ « 2 » .
وهكذا نرى سعد بن أبي وقّاص لم يأبه بمنع عمر تجاه سنّة سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه الترمذيّ أيضا بإسناده إلى شهاب ، عن محمّد بن عبد اللّه بن الحارث : أنّه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحّاك بن قيس ، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال الضحّاك :
لا يصنع ذلك إلّا مَن جهل أمر اللّه . فقال سعد : بئس ما قلتَ ، يا ابن أخي ! فقال الضحّاك : فإنّ عمر قد نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول اللّه ، وصنعناها معه . « 3 »
هامش
( 1 ) - . جامع الترمذيّ ، ج 3 ، ص 185 - 186 ، كتاب الحجّ ، رقم 824 .
( 2 ) - . تفسير القرطبيّ ، ج 2 ، ص 388 .
( 3 ) - . جامع الترمذيّ ، ج 3 ، ص 185 ، رقم 823 .