تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
الأنبياء عليهم السلام زعمهم أنّ زكريّا عليه السلام اشتبه عليه وحي الملائكة ونداؤهم ، بوحي الشياطين ؛ ولذلك سأل سؤال التعجّب ، ثمّ طلب آيةً للتثبّت . روى ابن جرير فيما روى : أنّ الشيطان هو الذي شكّكه في نداء الملائكة ، وقال له : إنّه من الشيطان . قال : ولولا الجُنُون « 1 » بالروايات مهما هزلت وسمجت ، لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء والسخف الذي ينبذه العقل ، وليس في الكتاب ما يشير إليه . ولو لم يكن لمن يروي مثل هذا إلّا هذا ، لكفى في جرحه ، وأن يُضرب بروايته على وجهه . فعفا اللّه عن ابن جرير ؛ إذ جعل هذه الرواية ممّا يُنشَر . ثمّ فسّر الآية وَفق ما فسّرها أبو مسلم :
« قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً »
، أي علامة تتقدّم هذه العناية وتؤذن بها
« قالَ آيَتُكَ
أن لا
تُكَلِّمَ النَّاسَ . . . »
، أي تترك ذلك مختارا لتفرغ لعبادة اللّه « 2 » . * * * وهكذا في قصّة إبراهيم الخليل والطيور الأربعة :
« قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً »
« 3 » . قال الرازيّ : أجمع أهل التفسير على أنّ المراد : قطّعهن ، غير أبي مسلم فإنّه أنكر ذلك ، وقال : إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا طلب إحياء الميّت من اللّه تعالى أراه اللّه مثالًا قرّب إليه الأمر ، والمراد ب -
« فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ »
: الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعوّد الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك فاجعل على كلّ جبل واحدا حال حياته ثمّ ادعهنّ يأتينك سعيا . والغرض منه ذكر مثال محسوس في عَود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة . وأنكر القول بأنّ المراد منه : فقطّعهنّ .
هامش
( 1 ) - . أي الشغف بجمع الأخبار مهما كان نمطها . ( 2 ) - . المنار ، ج 3 ، ص 298 - 299 . ولسيّدنا العلّامة الطباطبائيّ هنا كلام غريب رجّح رأي سائر المفسّرين وجوّز اشتباه الأمر على الأنبياء لولا عنايته تعالى برفعه منهم هو عجيب منه راجع : الميزان ، ج 3 ، ص 194 . ( 3 ) - . البقرة 260 : 2 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 374 | الشيخ محمد هادي معرفة