شخصيّة بارزة ، مارس عقله وشاور لُبّه عند تفهّم القرآن ، ممّن نبذ التقليد وأخذ في التدقيق .
وأنت إذا قارنت هذا التفسير لهذا الموضع بالذات ، مع سائر التفاسير التي عرضها القوم ، تجد الفرق بائنا والبون شاسعا .
ذكر أبو جعفر الطبريّ : أنّ عدم التكلّم هناكان عن عجز ، سلبه اللّه القدرة على الكلام ، فيما سوى التسبيح والتحميد ؛ وذلك تمحيصا له من هفوته وخطأ قيله في سؤاله الآية .
قيل : إنّه لمّا سمع نداء الملائكة يبشّرونه بيحيى ، جاءه الشيطان من فوره وقال له : يا زكريّا ، إنّ الصوت الذي سمعت ليس من عند اللّه ، إنّما هو الشيطان يسخر بك . قالوا : فشكّ زكريّا في مكانه ، وقال :
« أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ »
« 1 » . ومن ثَمّ طلب من اللّه أن يجعل له آية ، يرتفع بها شكّه ، فعاتبه اللّه على مسألته تلك ، وأنّه لا ينبغي لنبيّ أن يشكّ .
قال الطبريّ - فيما رواه - : إنّما عوقب بذلك ، لأنّ الملائكة شافهته مشافهة بذلك ، فبشّرته بيحيى ، فلمّا سأل الآية بعد كلام الملائكة مشافهةً ؛ أخذ اللّه عليه بلسانه ، فكان لا يقدر على الكلام إلّا إيماءً « 2 » .
وقال القرطبيّ : لمّا بُشّر بالولد ولم يبعد عنده هذا في قدرة اللّه ، طلب آية يعرف بها صحّة هذا الأمر ، وكونه من عند اللّه ، فعاقبه اللّه بأن أصابه السكوت عن كلام الناس ، لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه « 3 » . وهكذا أكثر المفسّرين من أصحاب النقل في التفسير كابن كثير وأضرابه « 4 » .
غير أنّ أرباب التحقيق رفضوا تلك النقول المنافية لأُصول العقيدة الإسلاميّة ، ولا سيّما فيما يمسّ جانب عصمة الأنبياء وصيانتهم عن إمكان غلبة الشيطان على مشاعرهم .
قال الشيخ محمّد عبدُه : ومن سخافات بعض المفسّرين ، والتي لا تليق بمقام
هامش
( 1 ) - . آل عمران 40 : 3 .
( 2 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 3 ، ص 177 .
( 3 ) - . الجامع لأحكام القرآن ، ج 4 ، ص 80 .
( 4 ) - . راجع : تفسير ابن كثير ، ج 1 ، ص 362 .