تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
قال : واحتجّ على مذهبه بوجوه : الأوّل : أنّ المشهور في اللغة في قوله :
« فَصُرْهُنَّ »
: أمِلهنّ . أمّا التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدلّ عليه . فكان إدراجه في الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدلّ الدليل عليها ، وأنّه لا يجوز . الثاني : أنّه لو كان المراد ب - « صرهن » : قطّعهنّ ، لم يقل :
« إِلَيْكَ »
، فإنّ ذلك لا يتعدّى بإلى ، وإنّما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ ؟ قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل مُلجئ إلى التزامه خلاف الظاهر . وأيضا الضمير في
« يَأْتِينَكَ »
عائد إليها لا إلى أجزائها ، وعلى قولكم : إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في
« يَأْتِينَكَ »
عائدا إلى أجزائها لا إلى الطيور أنفسها « 1 » . ثمّ إنّ الإمام الرازيّ يذكر حجج المشهور رادّا على أبي مسلم . وقد نقلها صاحب تفسير المنار وضعّفها ، وأيّد مذهب أبي مسلم في تفسير الآية في شرح وتفصيل ، ثمّ قال : وجملة القول : أنّ تفسير أبي مسلم لهذه الآية هو المتبادر الذي يدلّ عليه النظم ، وهو الذي يجلّي الحقيقة في المسألة ، وأخذ في تقريب ذلك . وأخيرا قال : وللّه درّ أبي مسلم ، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه « 2 » . وهذه أيضا شهادة بشأن أبي مسلم ، من أكبر علماء التفسير في العصر الأخير . * * * هذا ، ولأمثال أبي مسلم مواقف مشرّفة تجاه سائر المفسّرين الظاهريّين ، كانت نوافذ قلوب أمثاله متفتّحة ، يسيرون في ضوء العقل وعلى مناهج التفكير المتين « 3 » . وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على مدى قوّة الاجتهاد ودوره المجيد في تفسير القرآن الكريم ، والذي فتح بابه بمصراعين ، نُبَهاء السلف الصالح أيّام الصحابة والتابعين ،
هامش
( 1 ) - . التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 41 - 42 . ( 2 ) - . راجع : المنار ، ج 3 ، ص 56 - 58 . ( 3 ) - . وسنعرض نماذج من تفاسيرهم التي جاء نسجها على نفس المنوال ، في فصول قادمة إن شاء اللّه .