ابن عمر : ما نعلم به بأسا إلّا أنّه يفسّر القرآن برأيه . والمعروف عن أهل المدينة أنّهم أصحاب وقف واحتياط « 1 » .
* * * هذا ، وقد راج التفسير العقليّ فيما بعد ، ولا سيّما عند المعتزلة ومَن حذا حذوهم في تقديم العقل على ظاهر النقل .
* * * هذا أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهانيّ ( 254 - 322 ه . ) قد وضع تفسيره على أساس من التفكير الصحيح ، وَفق ما يرتضيه الدين الإسلاميّ الحنيف ، من نبذ التقليد والتمسّك بعُرى التحقيق
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها »
« 2 » ،
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . . . »
« 3 » .
هو عندما يفسّر قوله تعالى :
« قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ
أن لا
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ »
« 4 » بأنّ زكريّا لمّا طلب من اللّه تعالى آيةً تدلّه على حصول العلوق ( انعقاد النطفة في رحم زوجه ) قال : آيتك أن لا تكلّم ، أي تصير مأمورا بأن لا تتكلّم ثلاثة أيّام بلياليها مع الخَلق ( أي إذا جاءك الأمر بذلك ، فاعلم أنّ الحمل بيحيى قد تحقّق عند ذلك ) أي تكون مشتغلًا بالذكر والتسبيح والتهليل ، معرضا عن الخلق والدنيا ، شاكرا للّه تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة . فإن كانت لك حاجة ، دُلَّ عليها بالرمز . فإذا أُمرت بهذه الطاعة فاعلم أنّه قد حصل المطلوب .
يقول الإمام الرازيّ بشأنه - وهو أشعريّ يخالفه في المذهب - : « وهذا القول عندي حسن معقول . وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير ، كثيرالغوص علىالدقائق واللطائف » « 5 » .
هذه شهادة راقية من أكبر عَلَم من أعلام التحقيق في الفلسفة والكلام ، بشأن ألمع
هامش
( 1 ) - . طبقات المفسّرين ، ج 1 ، ص 176 ؛ ميزان الاعتدال ، ج 2 ، ص 98 ؛ راجع : ترجمته هنا .
( 2 ) - . محمّد 24 : 47 .
( 3 ) - . النحل 44 : 16 .
( 4 ) - . آل عمران 41 : 3 .
( 5 ) - . التفسير الكبير ، ج 8 ، ص 40 - 41 .