ويعود الفضل في ذلك إلى الصحابيَّين الجليلين : ابن عبّاس وابن مسعود ، وعلى رأسهما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
* * * هذا مجاهد بن جَبْر ، متخرّج مدرسة ابن عبّاس ، وقد أجمعت الامّة على إمامته والاحتجاج بكلامه « 1 » .
رُمي بحرّيّة الرأي في التفسير ، وإن شئت فقل : حُظي بقوّة الفهم وحدّة النظر ووفور العقل والذكاء .
نعم ، حيث كانت عقليّة الجمود ، هي الساطية على غوغاء الناس حينذاك ، كان توجيه هكذا تُهم إلى أمثال هؤلاء الأفذاذ ، يبدو طبيعيّا في ظاهر الحال .
قيل له : أنت الذي تفسّر القرآن برأيك ؟ ! فبكى ، وقال : إنّي إذن لجريء . لقد حملت التفسير ( أي أصول مبانيه وطرائق استنباط معانيه ) عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
نعم ، كان مجاهد يحمل ذهنيّة متحرّرة عن قيود الأوهام ، وعقليّة واعية تمكّنه من إدراك الحقائق ولمسها في واقع أمرها ، دون الاقتصار على الظاهر والاقتناع بالقشور . إنّه كان يعرض الآي القرآنيّة - لغرض فهم معانيها - على المتفاهم العامّ من الألفاظ والكلمات ، ثمّ على مباني الشريعة وشواهد التاريخ ونحوها ، ممّا كان متعارَفا لفهم المعاني لدى العرف العامّ . لكن من غير أن يقتنع بذلك ، حتّى يعرضها على فهم العقل وتوافق الفطرة ، من غير أن يختفي عنه شيء من الشواهد ودقائق الكلام .
قال - في تفسير قوله تعالى :
« فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
« 2 » - : لم يُمسَخوا قردةً ، وإنّما هو مثل ضربه اللّه ، كما قال :
« كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً »
« 3 » قال : إنّه مُسخت قلوبهم ، فجعلت
هامش
( 1 ) - . هكذا ذكر الذهبيّ . وعن سفيان : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . وعن الأعمش : إذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ . راجع : ترجمته فيما قدّمنا .
( 2 ) - . البقرة 65 : 2 .
( 3 ) - . الجمعة 5 : 62 .