تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
وثالثا : النظر والاجتهاد . كانت هي ميزة كبرى حُظي بها عهد التابعين ، أن قام عديد من كبار العلماء ذاك العهد ، فأعملوا النظر في كثير من مسائل الدين ، ومنها مسائل قرآنيّة ، كانت تعود إلى : معاني الصفات ، وأسرار الخليقة ، وأحوال الأنبياء والرسل ، وما شاكل . فكانوا يعرضونها على شريعة العقل ، ويحاكونها وَفق حكمه الرشيد ، وربّما يُؤوّلونها إلى ما يتوافق مع الفطرة السليمة . وأوّل مدرسة أخذت في الاجتهاد وإعمال النظر لاستنباط معاني القرآن ، مدرسة مكّة ، التي أشادها الصحابيّ الجليل تلميذ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الموفّق ، عبد اللّه بن عبّاس . وكان متخرّجوا هذه المدرسة هم الذين أسّسوا بنيان الاجتهاد في التفسير ، وعلى يدهم شاعت وذاعت طريقة الاجتهاد في مناحي الشريعة المقدّسة ، على الإطلاق . ثمّ مدرسة الكوفة ، تأسّست على يد عبد اللّه بن مسعود ، وتخرّجت منها علماء أفذاذ ، أصحاب نظر واجتهاد . وأصبحت مدرسة الكوفة بعدئذ معهد الدراسات الإسلاميّة ، يقصدها روّاد العلم من جميع أطراف البلاد ؛ حيث محطّ جُلّ الصحابة ، ولا سيّما بعد مهجر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . فقد ارتحل إليها العلمُ برمّته ، وأخذت مجامع الكوفة تحتضن الكبار من علماء الإسلام يومذاك ، وعليهم دارت رحى العلم وفاضت ينابيع المعارف إلى أرجاء البلاد . ولم تدم مدرسة مكّة طويلًا ، وأخذت بالأُفول بعد وفاة صاحبها ومؤسّسها عام ( 68 ه . ) وتفرّق متخرّجيها وانتشارهم في أكناف الأرض . فقد ارتحلوا إلى خراسان ومصر والشام وسائر الديار . غير أنّ مدرسة الكوفة أخذت تزدهر وتزداد صيتا ونشاطا مع تقادم الأيّام . وهاتان المدرستان هما الأساس لنشر العلم وبثّ المعارف بين العباد ، وإن كانت إحداهما أخذت في الاندثار ، بينما الأخرى استمرت في الازدهار والتوسّع والانتشار . وأكثر العلماء التابعين بل الغالبيّة الساحقة ، هم المتخرّجون من هاتين المدرستين . فكان لهما الفضل الكبير على الامّة ، في تثقيفهم والتنشيط في السعي وراء العلم والمعرفة .