ميزات تفسير التّابعيّ
يمتاز التفسير في عهد التابعين بمميّزات ، تفصلها عن تفاسير الصحابة من وجوه :
أوّلًا : التوسّع فيه . فقد تعرّض التابعون لمختلف أبعاد التفسير ، وخاضوا معاني القرآن ، من مختلف الجهات والمناحي . بينما كان تفسير الصحابة مقتصرا على جوانب محدودة من اللغة ، وشأن النزول ، وبعض المفاهيم الشرعيّة ؛ لرفع ما أُبهم على الناس من هذه الجهات فحسب . فقد خطا تفسير التابعيّ خطوات أوسع وفي جوانب أكثر .
ومن ثَمّ فإن التفسير في هذا العهد ، يشمل جوانب الأدب واللغة في أبعاد مترامية ، وهكذا التاريخ لأُمم سالفة ، وأمم معاصرة مجاورة لجزيرة العرب ، تاريخ حياتهم وبلادهم ، على ما وصلت إليهم من أخبارهم ، وحتّى بعض لغاتهم وثقافاتهم ، ممّا يمسّ جانب القرآن . وهكذا دخل في التفسير بحوث كلاميّة نشأت ذلك العهد ، وارتبطت مع كثير من آي القرآن بعض الربط ، كآيات الصفات والمبدأ والمعاد ، وما شابه .
وقد أخذ هذا التوسّع بازدياد مطّرَد ، وفي أبعاد مستجدّة كلّما توسّعت العلوم والمعارف ، وازداد التعرّف إلى آداب وثقافات كان يملكها أمم يدخلون في دين اللّه أفواجا ، ومعهم علومهم ومعارفهم ، يحملونها ويجعلونها في خدمة الإسلام والمسلمين ، وكانت لم تزل تتّسع مع اتّساع رقعة الإسلام .
ولا يزال حجم التفسير يتضخّم ؛ حيث وفرة العلوم والمعارف المساعدة لحلّ قسط وافر من مشاكل غامضة ممّا تحتضنه كثير من آيات كونيّة أو لافتة إلى خبايا أسرار الوجود . وللعلم والفلسفة في جميع مناحيهما حظّهما الأوفر في هذا المجال .
* * * ثانيا : تشكّله وثبته ، ثمّ تدوينه . كان التفسير على عهد الصحابة كحاله في عهد الرسالة ، منتثرا على أفواه الرجال ، ومبثوثا بين أظهرهم ، محفوظا في الصدور ، لقصر خطاه وقرب مداه . ومقتصرا على بضع كلمات لبضع آيات ، كانت خافية المفاد ، أو مبهمة المراد حينذاك .