التابعون على رأي فإنّه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعدّاه إلى غيره « 1 » .
* * * قلت : إن كان أُريد التعبّد بأقوال التابعين والتسليم لآرائهم ، فهذا لا وجه له ، ولا مبرّر لذلك ، فإنّهم - كما قال أبو حنيفة - رجال ونحن رجال .
لكن مقصود البحث غير ذلك ، وإنّما هو الاعتبار العقلانيّ ، بالنظر إلى أسبقيّتهم وأقربيّتهم إلى منابع الوحي ومهبط التنزيل ، وأمسّ بجوانب الشريعة ، وأقرب تناولًا إلى أعتاب أعلام الصحابة والأئمّة الهداة ، كما نبّهنا ، فضلًا عن أنّهم أعرف بمواضع اللغة وأساليب العرب الفصحى ممّن نزل القرآن بلغتهم وعلى أساليب كلامهم المعروف .
فكانت آراؤهم ونظراتهم المستنبطة من أصول متينة ، المستقاة من مناهل صافية وضافية ، من خير الوسائل السليمة لفهم معاني القرآن الكريم . فهي بالاستعانة بها والاستفادة منها أقرب منها إلى التعبّد والتقليد .
وقد عرفت أن جُلّ التابعين من متخرّجي مدارس الصحابة الأوّلين كعبد اللّه بن مسعود ، وابن عبّاس ، الذي كان هذا بدوره متخرّجا من مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
فجملة علومهم وأصول معارفهم مستندة إلى منابع أصيلة منتهية إلى مصدر الوحي الأمين ، الأمر الذي يجعل الفرق واضحا بين من كان شأنهم هذا ، وبين من كان مستقى علمه بعيد المنال ، ينتهي إليه بوسائط كثيرة ، وفي جهد بليغ . كما هي حالتنا الحاضرة بالنسبة إلى حالة التابعين ، وهم على مشارف المنابع الأُولى يستقون منها بالمباشرة ، وعن متناول قريب .
وعلى أيّ حال ، فإنّ اجتهاد من كانت المنابع في متناولة القريب ، أصوب وأسدّ وأبين طريقا ، ممّن كان على مراحل من منابع الاجتهاد . ولا أقل من كون اجتهاد السابقين دلائل تُنير الدرب لاجتهاد اللاحقين ، الأمر الذي لا ينبغي إنكاره .
هامش
( 1 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 128 - 129 .