الراغب :
« وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ »
أي نطهّر الأشياء ارتساما لك . « 1 » أي بدلًا من بني آدم - حيث يفسدون في الأرض أي يعبثون بوجوه الأشياء ليغيّروها إلى جهة الفساد - نقوم نحن بتطهير الأشياء وتصقيلها إلى حيث الصفاء والجلاء التامّ . الأمر الذي يتحقّق منه الامتثال التامّ لما أراده تعالى من الطهارة والنزاهة في خليقته جمعاء .
ثُمَّ قال له كن فيكون
قال تعالى :
« إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
« 2 »
قالوا : وكان ينبغي أن يقول : ثمّ قال له كن فكان .
قال بعضهم - تجاسرا على كتاب اللّه - : آثر الرويّ على المعنى ، فآثر الإخلال بالمعنى ليستقيم له الرويّ . وزاد بشاعةً في القول : قد ساقه إليه ما ألفه لسانُه - يعني محمدا صلى الله عليه وآله - حيث كرّره في ستّة مواضع من كتابه بصيغة المضارع ، ممّا كان متناسبا فيها غير ماهنا . « 3 »
لكن المسكين ذهب عنه أنّ هذه الجملة تمثّل كلمة التكوين وليست تكليفا بالقول ، ومن ثَمَّ كان المسيح عليه السلام كلمة اللّه ألقاها إلى مريم . « 4 »
قال الشيخ محمّد عبده : يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع
« كُنْ فَيَكُونُ »
.
والمعنى : ثُمَّ قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجّه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالًا . قال : ويظهر هذا في مثل قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ » .
« 5 » ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا ، لأنّ قول التكليف من صفة الكلام ، وقول التكوين من صفة المشيئة . « 6 »
فلفظة
« كُنْ »
تمثّل إرادته تعالى المتعلّقة بتكوين شيء . و
« فَيَكُونُ »
تمثّل تكوين الشيء حالًا فور إرادته تعالى . الأمر الذي يتمثّل في لفظة المضارع الدالّة على التحقّق في
هامش
( 1 ) - المفردات ، ص 396 .
( 2 ) - آل عمران 59 : 3 .
( 3 ) - هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 417 - 418 .
( 4 ) - إشارة إلى الآية 171 من سورة النساء .
( 5 ) - الأنعام 73 : 6 .
( 6 ) - تفسير المنار ، ج 3 ، ص 319 .