الحال ، ولا يصلح لذلك صيغة الماضي إلّا بتأويله إلى إرادة الحال أي « فكان في الحال » .
وهذا ممّا يكفله صيغة المضارع من غير تأويل . وهذا هو معنى قولهم :
« فَيَكُونُ »
حكاية حال ماضية . « 1 » أي وإن كان الأمر قد مضى ، لكنّها حكاية عن أمر كان حالًا في ظرفه : فقد تَكَوَّن الشيء حالًا فور الإرادة . وهذا من تصوير الحال الماضية كما يقول أهل المعاني .
فمعنى قوله « كن فيكون » : أن لافاصل زمنيّا بين إرادته تعالى وتكوين الشيء
« وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » .
« 2 »
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
. « 3 » أي لافاصل - عند إرادته تعالى لتكوين شيء - بين هذه الإرادة وتكوين ذاك الشيء حالًا .
قال الحجّة البلاغي :
« فَيَكُونُ »
فعل مضارع دالّ على الثبوت ، لبيان الملازمة الدائمة بين قوله
« كُنْ »
وبين تكوّن الشيء بهذا الأمر لا محالة . وبهذه القدرة التامّة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل ، إذ قال له :
« كُنْ »
.
وهو كلام صادر في مقام الاحتجاج بالتمثيل ، ولاتقوم الحجّة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلّا ببيان الملازمة .
وهذا بخلاف ما لو قال : كن فكان . لأنّ هذا الأسلوب ( الثاني ) لا يفيد إلّا أن آدم كان .
سواءٌ أكان ذلك باتفاق أم بملازمة خاصّة بذلك الكون أو عامّة . وهو أمرٌ معلوم لا فائدة في بيانه ولاحجّة فيه على خلق عيسى من غير فحل . فلا يكون التفريع لو قيل : كن فكان ، إلّا لغوا في كلام متهافت . « 4 »
والخلاصة : أنّ فعل المضارعة هنا يدلّ على الملازمة الدائمة بين قولة « كن » والتكوين . فصحّ جريانه بشأن آدم والمسيح على سواء . وهذا على خلاف ما لو قيل « فكان » ، لاحتمال مجرّد الاتفاق وليس عن ملازمةٍ دائمة . . . وهو تنبّه لطيف أفادته قريحة شيخنا العلّامة البلاغي المهديّ بهداية اللّه تعالى . فرحمة اللّه عليه من مجاهد في سبيل اللّه بالعلم والعمل الدائب ، أفاض اللّه عليه شآبيب رضوانه . آمين .
هامش
( 1 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 368 .
( 2 ) - القمر 50 : 54 .
( 3 ) - يس 82 : 36 .
( 4 ) - الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 380 .