تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
والذي عمله الإسلام ذلك الوقت هو أنّه لم يكتف بذلك التحرير الروحي ، بل تجاوزه إلى تحرير واقعي ( خارجي ) وبنى قاعدته الأساسية العظمى وهي : المساواة الكاملة بين البشر ، وهو تحرير كامل لكلّ البشر . ولذلك عمل فعلًا على تحرير الأرقّاء بوسيلتين كبيرتين : هما العتق والكتابة - على مامرّت عليك - . وبذلك كان الإسلام قد خطا خطوات فعليّة واسعة في سبيل تحرير الأرقّاء . لكن لماذا لم يخط خطوته النهائية ، ولم يقل كلمته الأخيرة حينذاك ؟ ومن ثمّ قد يخطر بالبال : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الأرقّاء ، وقد سبق العالم كلّه متطوّعا غير مضطرّ ولامضغوط عليه ، فلماذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية ، فيعلن بصراحة كاملة إلغاء الرقّ من حيث المبدأ ، وبذلك يكون قد أسدى للبشرية خدمةً كبرى ، فيكون هو النظام الأكمل والجدير بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم وفضّلهم على كثير ممّن خَلَق ؟ لكن ينبغي قبل كلّ شئ أن نُدرك حقائق اجتماعية وحياتية وسياسية واقتصادية ، كانت أحاطت بمسألة الرقّيّة في العالم المتحضّر آنذاك ، وكانت سبب تأخير هذا الإعلان المرتقب بإلغائها . يجب أن ندرك أنّ الإسلام جاء والرقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم ، بل كان عملة اقتصادية واجتماعية متداولة ، لايستنكرها أحد ، ولا يفكّر في إمكان تغييرها أحد ، لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا يحتاج إلى تدرّج شديد وزمن طويل . وقد احتاج تحريم الخمر وإبطالها إلى بضع سنوات ، في حين أنّها كانت عادة شخصية ، وربما كان بعضهم يتعفّفون عنها ، ويرون خبثها وقذارتها ، بما لا يليق بذوي النفوس العالية . والرقّ كان أعمق في كيان المجتمع ونفوس الأفراد ، ولم يكن أحد يستنكره - كما أسلفنا - لذلك كان إبطاله في حاجة إلى زمن أطول بكثير ، ممّا لاتتّسع له حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وهي الفترة التي كان ينزل فيها الوحي بالتنظيم والتشريع ، واللّه أعلم بمن خلق وبما خلق . فالذي قدّمه الإسلام هو تمهيد السبيل لإبطال هذا النظام رأسا ، ولعلّه كان لوقت